fbpx
خاص

قانـون المحامـاة … الجـدل

المحامون حريصون على الحصول على مكاسب مهمة وتحصين المهنة

بعد أيام قليلة ستشرع وزارة العدل في مناقشة مشروع قانون مهنة المحاماة من خلال التعديلات التي ستدخل عليه والتي أبرزها تحديد السن بالنسبة إلى الراغبين من قطاع العدالة في الالتحاق بالمهنة وتقوية التخليق، والحصول على مكاسب مهمة يتم التنصيص عليها في القوانين ذات الصلة. وبين مؤيد ومعارض لمقترحات جمعية هيآت المحامين بالمغرب تتجه آراء إلى محاولة التأثير على الوزارة لإلغاء بعض تلك المقتضيات، خاصة أن البعض يعتبرها حقوقا مكتسبة، ولا يقف الأمر عند ذلك الحد بل لدى المحامين بعض المؤاخذات على المشروع.

إنجاز: كريمة مصلي

سجال القضاة والمحامين … كما تدين تدان

محامون يعتبرون أن الأمر فيه تحصين للمهنة وقضاة يرفضون ذلك

حاولت مسودة مشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة، ملاءمة وضعيتها مع ما شهدته الساحة من استقلال السلطة القضائية، ونصت في فصلها الأول على أن المحاماة مهنة حرة مستقلة، تشارك السلطة القضائية في تحقيق العدالة وحماية الحقوق والحريات، والمحامون بهذا الاعتبار جزء من أسرة العدالة.
التعريف الجديد للمحاماة في المسودة ركز على نقطة مهمة تخص الاستقلال والشراكة مع السلطة القضائية. ومن بين النقاط التي أثارت إشكالا حقيقيا، تلك التي تضمنت وضع شروط وصفت بغير المنصفة بالنسبة إلى القضاة والأساتذة الجامعيين، إذ نصت المادة 20 من المسودة أنه يعفى من الحصول على شهادة الكفاءة لمزاولة مهنة المحاماة، قدماء القضاة الخاضعون للنظام الأساسي للقضاة الحاصلون على شهادة دكتوراه الدولة في القانون أو الشريعة أو شهادة الدكتوراه في القانون أو الشريعة، أو ما يعادلها طبقا للمقتضيات التنظيمية الجاري بها العمل، الذين لم يتجاوز سنهم عند تقديم الطلب 55 سنة بعد قبول استقالتهم، والشيء نفسه بالنسبة إلى أساتذة التعليم العالي في مادة القانون، الذين زاولوا بعد ترسيمهم مهنة التدريس لمدة ثماني سنوات بإحدى كليات الحقوق بالمغرب، والذين لا يتجاوز سنهم عند تقديم الطلب 55 سنة بعد قبول استقالتهم.
تحديد السن اعتبره القضاة نوعا من التراجع عن حقوق مكتسبة لهم على مر سنين عدة، إذ أنه لم يكن هناك أي تحديد بالنسبة إلى القضاة لولوج المهنة فحتى بعد حصولهم على التقاعد كان يتم قبولهم في الهيآت محامين، ولم يكن هناك سوى شرط ألا يقيد القاضي في الهيأة التي كان يمارس بدائرتها الاستئنافية، ويعفى من هذا الشرط قضاة محكمة النقض.
في حين يرى المحامون أن تلك الخطوة تدخل في إطار تحصين المهنة، بالنظر إلى أنها أضحت تشكل ملاذ لكل الراغبين في ممارستها من باقي مكونات العدالة أو التعليم الجامعي، إضافة إلى الأعداد المهمة للوافدين الجدد عليها، دون أن تقدم الدولة أي ضمانات للمحامي في شأن الممارسة، خاصة أمام التنافسية التي يعانيها بشكل مستمر.
واعتبر المحامون أنه في ظل ما يعيشه المجتمع من تطور على صعيد منظومة العدالة والتي تعد المحاماة ركيزة من ركائزها، أضحى ضروريا أن يعاد النظر في طريقة ولوجها، وأنه من غير المستساغ أن تظل هي المهنة الوحيدة التي تستقبل بصفة دورية أفواجا مهمة من الخريجين، ولا تضع أي شروط على الراغبين في ممارستها من قبل القضاة أو الأساتذة الجامعيين في حين أن المحامين الراغبين في ممارسة القضاء لم يعد بإمكانهم ذلك أمام الشروط التي نص عليها أخيرا.

الشنتـوف: حـق مكتسـب للقضـاة

الجدال حول السن دفع عبد اللطيف الشنتوف، رئيس نادي قضاة المغرب، إلى وضع تدوينة نشرها على الصفحة الرسمية للنادي، اعتبر فيها أن المقترحات المقدمة من قبل المحامين التي تهم ممارسة القضاة لمهنة المحاماة تسير كلها باتجاه المساس بحقوق القضاة المكتسبة مند عقود في ممارسة المهنة، دون قيود وهي الحقوق المتعارف عليها على صعيد عدة دول. وأضاف الشنتوف أن المشاكل الداخلية القضائية أبعدتهم بعض الشيء عن متابعة هذا الموضوع بالشكل المطلوب، مشيرا إلى أنه سبق لنادي قضاة المغرب وبمعية الودادية الحسنية للقضاة وجمعيات مهنية أخرى عقد لقاء منذ مدة مع رئيس ومكتب جمعية هيآت المحامين بالمغرب حول هذا الموضوع تحديدا، وتم تناول الموضوع مع وزير العدل السابق في إحدى المناسبات، وأضاف “نتمنى من مؤسساتنا القضائية الرسمية أن تدافع عن حقوق القضاة ومصالحهم المشروعة المرتبطة بهذا الموضوع”. وذهبت أصوات إلى المطالبة بفتح نقاش حقيقي مع الجهات المسؤولة خاصة وزارة العدل، باعتبارها الوزارة الوصية، لأجل تدارك ذلك الخلل، الذي يمكنه أن يحرم القضاة من الالتحاق بالمحاماة خلافا لما ينص عليه القانون الحالي.

الأساتذة يرفضون الحجر

لم يقتصر الخلاف على القضاة والمحامين حول شروط ممارسة مهنة المحاماة، وتحديد سقف زمني لها، بل انضاف إلى ذلك أساتذة القانون في الجامعات الذين يعتبرون أن ما تضمنته المادة 20 يشكل حيفا في حقهم، التي تفيد أنه يعفى من الحصول على شهادة الكفاءة لمزاولة مهنة المحاماة، أساتذة التعليم العالي في مادة القانون، الذين زاولوا بعد ترسيمهم مهنة التدريس لمدة ثماني سنوات بإحدى كليات الحقوق بالمغرب، والذين لا يتجاوز سنهم عند تقديم الطلب 55 سنة بعد قبول استقالتهم. وهو ما يعتبر من قبلهم حجرا على حق الاستاذ الجامعي في ممارسة مهنة المحاماة، إضافة إلى ما يعتبرونه شروطا تعجيزية تتضمنها المادة التي تلزم الأستاذ الجامعي بتقديم استقالته إذا أراد مزاولة مهنة المحاماة بعد أن يكون قد زاول التدريس لمدة عشر سنوات، وهي المادة التي تتنافى مع مقتضيات الفقرة 3 من المادة 10 من المسودة نفسها، التي تنص على عدم وجود تناف بين مهنة المحاماة ومهنة التدريس في المعاهد والكليات، وفي الوقت الذي تنص المادة 10 على أنه لا وجود لحالات التنافي بين المحاماة والتدريس وهو ما يمكن المحامي الحاصل على الدكتوراه من ممارسة مهنة التدريس، يأتي القانون نفسه ليضع شروطا مجحفة أمام الاستاذ الجامعي لممارسة مهنة المحاماة يربطها بضرورة تقديم الاستقالة، بعد أن يكون قد قضى في التعليم عشر سنوات.
واعتبر الأساتذة أن هذا الوضع “الشاذ” لا يوجد في أغلب القوانين المقارنة، والتي تعتبر أن وجود الأستاذ الجامعي في مهنة المحاماة يشكل قيمة مضافة، ومنها القانون الجزائري،
والموريتاني، والأردني، والكويتي، والإماراتي والفرنسي والبلجيكي وغيرها، بل إنه حتى بعض القوانين التي كانت تأخذ بالتنافي بين التعليم الجامعي والمحاماة بدأت تتراجع عن ذلك, منها القانون العراقي حيث وضع مشروع قانون سيلغى حالة التنافي، مشيرة إلى أن الجمع بين مهنة المحاماة والتعليم الجامعي سيرفع من مستوى التعليم في الجامعة، وسيؤهل الطالب لولوج سوق الشغل, على اعتبار أنه سيتلقى تكوينا نظريا وعمليا، كما أنه سيرفع من مستوى الاجتهاد القضائي وسيرقى بمهنة المحاماة في المغرب.

بيرواين: المعاملة بالمثل

قال حسن بيراوين نقيب هياة المحامين بالبيضاء، إن مهنة المحاماة مهنة مواطنة، والمحامون يؤدون خدمة عمومية ورسالة حقوقية إنسانية. والدولة ركزت خلال المرحلة السابقة في جهودها لتنزيل دستور 2011، على جميع المتدخلين في منظومة العدالة، وقامت باستثناء مهنة المحاماة منها. ما جعل مجهودات الإصلاح تأتي عرجاء مبتورة، بل لاحظنا في بعض المشاريع تقزيما لدور المحامي وسلبا لاختصاصاته وتضييقا لها.
وأضاف أن مهنة المحاماة تفتخر بجهود التخليق المضنية التي أتت أكلها، وقيام الدولة بمسؤوليتها تجاه المهنة ما هو إلا مسألة طبيعية وعادية، وهنا توجه من جديد إلى المؤسسة التشريعية، مشيرا إلى أن تحديد سقف التحاق القضاة بالمحاماة في 55 سنة، هو تناسب لما نصت عليه القوانين المنظمة التي تخص القضاة بشأن المحامين على اعتبار أن القانون التنظيمي المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة، الصادر بتاريخ 24/03/2016، أصبح يشترط لولوج المحامي سلك القضاء شروطا صارمة هي أقدمية عشر سنوات والتوفر على شهادة الدكتوراه في الحقوق وسن 55 سنة حدا أقصى، مع اجتياز مباراة.

البصراوي: من حق القضاة والأساتذة ولوج المهنة

يرى علال البصراوي محام بهيأة المحامين بخريبكة أن من الإشكالات المطروحة اليوم والتي يتعين إيجاد صيغة لحلها في مشروع قانون المهنة، ولوج القضاة وأساتذة كلية الحقوق إلى مهنة المحاماة وشروط ذلك، ومن ثم يعتقد أنه ينبغي التعاطي مع الموضوع في إطار ما تقتضيه المصلحة العامة وليس مصلحة هذه الفئة أو تلك.
وأشار البصراوي أنه من المعروف أن المحامين والقضاة وأساتذة كلية الحقوق نهلوا من النبع نفسه، ومستوياتهم المعرفية متقاربة وكذلك مواقعهم الاجتماعية، وهم بذلك يشكلون عصب الأسرة القانونية في المجتمع، وكل طرف لا يستطيع الاستغناء عن الآخر، بل إن هذه الحاجة تزداد اليوم بشكل أكبر. إذ أن القاضي والمحامي في حاجة إلى الاستمرار في النهل من معين البحث الأكاديمي، ويجب أن تعطاهما الفرصة لاستكمال البحث والتكوين المستمر في الجامعة. والبحث الجامعي لا يمكن أن يظل نظريا مرتكزا على المصادر والمراجع فقط، بل هو في حاجة إلى مستجدات التطبيق العملي لنصوص القانون والنظريات الفقهية.
ومن جهة أخرى فإن المحاماة في حاجة إلى تعزيز صفوفها بقضاة سابقين أكفاء خبروا تطبيق النص القانوني من الموقع الآخر. والقضاء في حاجة إلى تعزيز صفوفه بالمحامين، الذي تمرسوا على كل المساطر في تعامل مباشر مع المواطنين، ومارسوا أمام كل درجات التقاضي وتخصصاته (عاد، إداري، تجاري، عسكري…) وهو ما لا يتاح للقضاة.
ومن خلال هذا، خاصة ضرورة انفتاح كل مهنة على محيطها بشكل إيجابي يتضح أنه لا ينبغي أن توصد الأبواب في وجه أي طرف مما ذكر, وينبغي فتح الجسور بين المجالات الثلاثة بكل يسر، وبشروط متشابهة وبدرجات الشهادات العلمية والأقدمية نفسها في الممارسة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى