fbpx
ملف الصباح

هبيل و”قاضي حاجة” … “أجي نركبو لهبال”

طريق ذكية لقضاء مصالح والإفلات من العقاب وتمرير رسائل مشفرة إلى كل من يهمهم الأمر

كثيرا ما لجأ المغاربة، في تاريخهم، إلى حيل المكر عن طريق الهروب من جحيم العقل إلى جنة الجنون، حتى درجت عدد من الأمثلة من قبيل: “للي لقا راسو في الهبال أش بغا راسو في العقل”، أو “تهبل تربح”، أو “تبهلا وصريط العواد”، كما ألفت روايات وقصص وأفلام هزلية وسكيتشات تحمل عناوين متفرقة ترسم لوحات لحيل الحمق ومقالب الحمقى المزورين الذين يضحون، في نهاية القصة، أقوى دهاء من العقلاء أنفسهم.
وانتبهت الفنانة القديرة ثريا جبران إلى تيمة “اصطناع الحمق” في مجتمع لا يؤمن كثيرا بالأسوياء وأصحاب العقول و”الفهايمية”، فدعت فريقها، الذي كان يتكون آنذاك من زوجها عبد الواحد عزري والراحل محمد بسطاوي وعبد اللطيف الخمولي، إلى “ركوب الهبال” في مسرحية جالت المغرب وعددا من الدول العربية والأوربية ولقيت نجاحا كبيرا، بسبب اللعب على الكلمات و”الخروج والدخول في الهضرة”، الذي كان يحمل في طياته معاني ورسائل واضحة إلى كل من يعنيهم الأمر.
ويركب عدد من المواطنين في مجالات وقطاعات مختلفة سفينة الجنون للوصول إلى الضفة الأخرى بأقل كلفة ممكنة، بل يصلون محاطين بهالة من التعاطف في مجتمع تنطلي عليه الحيل ولا يتعلم، كثيرا، من أخطائه.
وكثيرا ما نجد هؤلاء في قطاع التسول، إذ يكفي أحدهم بتغيير ملامحه وارتداء ملابس رثة والظهور في وضعية “خارج العقل” حتى تنهال عليه الإكراميات وتسقط عليه الدراهم، التي لا يلقي لها بالا أمام الزبون (بحكم أنه فاقد للإدراك)، لكن ما إن يختفي الأخير حتى يتحسسها ويضعها في جيبه. وهناك صور وفيديوهات التقطت لمتسولين “حمقى” يصبحون عقلاء بمجرد مغادرتهم مكان العمل.
ويستعمل آخرون هذه الحيلة للإفلات من القانون والعقاب، إذ لا يكاد يرتكب أحدهم مخالفة، أو جنحة، أو حتى جريمة، حتى يستل من جيب سترته شهادة طبية، تؤكد أنه فاقد لمؤهلاته العقلية، وأن ما فعله تحت تأثير الدواء، أو المخدر.
وفي الأسر والتجمعات العائلية والعلاقات الاجتماعية بين الأبناء والآباء، يندر ألا تجد شخصا لا يصطنع الهبال للهروب من الالتزامات الملقاة عليه، أو تبرير فشله وعدم قدرته على العمل وتحمل المسؤولية، وهو من الأشخاص الذين تستهويهم عبارة “غير خليوه عليكم هاداك غير مسطي”.
أما في السياسة المغربية فحدث ولا حرج، إذ كلما كان الزعيم “مفروح”، كلما حشد حوله الأتباع والمريدين ورفــع فــوق الأكتاف وفرشت لــه الزرابي الحمراء لاستقباله في مهرجانات صاخبة، تنقل مباشرة على مواقع التواصل الاجتماعي.
هؤلاء السياسيون يعرفون أن تشغيل محركات “الجماهير” يحتاج إلى جرعات من الحمق و”الدخول والخروج في الهضرة” والحديث دون ضوابط والاقتراب من خطوط التماس، حتى إذا تورط السياسي في موقف أو تصريح مثير للجدل، قال مريدوه “راه كان غير كيضحك وكيقشب”.
وفطن عدد من السياسيين إلى لعبة الهبال لتمرير عدد من الرسائل وتوجيه الرأي العام والتحكم، مؤقتا، في المشهد، بل أنتج لهذا النمط من التفكير زعماء لا يلوكون الكلام مرتين في أفواههم، ما جر عليهم، أحيانا، متاعب كثيرة.
يوسف الساكت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق