fbpx
خاص

البيضاء الاستعمارية … هكذا رسمت معالمها الحديثة

وجه المدينة يتغير لتصير عاصمة اقتصادية للمملكة

إعداد: عزيز المجدوب

صدر حديثا للباحث المغربي نور الدين فردي كتاب بعنوان “الدار البيضاء التحولات الإدارية والاقتصادية والعمرانية.. بين منتصف القرن التاسع عشر وبداية الحماية” عن منشورات “أمل”. ويهتم الكتاب بدراسة بداية تشكل مدينة البيضاء، والعوامل التي تحكمت في تطورها، والتفاعلات بين ما هو إداري واقتصادي وعمراني.
في هذا الخاص تستعيد “الصباح” أهم فقرات هذا الكتاب الذي يتتبع التطورات والتحولات التي غيرت ملامح المدينة ودفعتها لتصير عاصمة اقتصادية للمغرب.

بعد فرض الحماية على المغرب في 30 مارس 1912، أقرت فرنسا نظاما إداريا جديدا، وعملت على إحداث لجنة منذ ابريل 1913، تمثلت مهامها في الإشراف على المصالح البلدية التي كانت تدبر مرافق المدينة، واهتمت بالدرجة الأولى بتلبية مصالح المعمرين. وقامت بعقد العديد من الاجتماعات الدورية، صادقت على مجموعة من القرارات التي كان لها تأثير على تطور المدينة. ومع التطور الاقتصادي تزايد عدد السكان، وتوسعت المدينة بشكل عشوائي في غياب تصميم تهيئة المجال، وهذا ما أدى إلى تعقد مشاكل البنية التحتية.

الحماية… الخطوة الأولى

في أبريل 1914 برز دور الحاكم العسكري، إذ أصبح يسير المدينة بشكل مباشر، في حين انسحب القنصل من الإشراف على شؤون الدار البيضاء، وارتبطت أسباب ذلك بالمشاكل التي عرفتها المدينة وتزايد ضغط الجالية الأوربية التي طالبت بالتدخل في الإشراف على مرافق المدينة بعد عجز اللجنة البلدية ومصالحها عن القيام بالتجهيزات الضرورية وضمان نظافة المدينة خدمة لمصالح الأوربيين.
شرعت فرنسا في إعداد تصاميم التهيئة للأحياء الموجودة خارج الأسوار بهدف خلق مجال جديد استجاب لمتطلبات استقرار المستثمرين الأجانب، الذين عملوا على زيادة حجم استثماراتهم. وتطلب انجاز تصاميم التهيئة تدخل العديد من الإدارات المركزية، كإدارة الإشغال العمومية، والمالية، ومكتب تصاميم المدن، وعملت الإقامة العامة على متابعة سير إنجاز تلك الأوراش الكبرى التي غيرت مجال المدينة، بظهور أحياء جديدة ومرافق كبرى، من أسواق ومستشفيات ومدارس وبنية تحتية.

التوسع العمراني…

يتوقف الكتاب عند التزايد السكاني السريع للدار البيضاء، بعد فترة التراجع التي شهدتها خلال الهجومات العسكرية عليها، ومع استقرار الأوضاع سنة1907، شرع سكان المدينة الذين غادروها في العودة، كما بدأت وتيرة الهجرة في الارتفاع سواء الداخلية والخارجية. ويورد الفردي معطيات حول البنية الديمغرافية للمدينة، إذ يشير إلى أن عدد السكان بلغ مابين 25 و30 ألف نسمة سنة 1911، من بينهم 5 الى6 آلاف من اليهود، وفي الوقت نفسه ارتفع عدد الأوربيين من ألف نسمة قبل 1907 إلى 6 آلاف نسمة سنة 1911.
أما على مستوى العمراني، فقد ظهرت خارج الأسوار بنايات جديدة بمواصفات أوربية، مكونة من عمارات ذات طوابق، وتزايد عددها بشكل كبير فمن 1908 إلى 1912 وصل عددها إلى 219 عمارة. وكانت بداية تعمير المنطقة دون تصميم تهيئة، وشيدت العديد من المنازل على شكل “فيلات” امتدت على طول شارع أنفا، وكانت للعديد من الأجانب منازل كبيرة تحيط بها بساتين إلى جانب المنازل التي كانوا يقطنون بها في المدينة داخل الأسوار، اشتهر من بينها منزل فريو بروسبير أحد مشاهير أجانب الدارالبيضاء، و”مزرعة بانو” التي تم تحويلها إلى ناد رياضي عسكري، ومزرعة موليني داهل ، ومنزل “فير” رجل الصناعة الشهير بالمغرب.

وشيدت العديد من البنايات خصصت مكاتب لشركات كبرى، مثل شركة الدراسة والتجــــــارة ، ودار “كارل فيخ” ، ومقر دار شركة “لامببروتر”، وبدأت عمليات بناء المحلات التجارية، والفنادق، والمحلات الخاصة بتخزين الحبوب والصوف والجلد قصد التصدير، بالطريق المتجهة إلى مديونة، وتحولت الدكاكين التي في ملك تجار يهود والمخصصة لبيع الحبوب والقطاني، إلى مقاه ومحلات تجارية في ملك الأجانب، وفي سنة 1909 شيدت أول عمارة مكونة من طوابق من قبل انطوان ماس ، وكان بنك الليوني وراء دعم هذه المشاريع لصالح الأجانب.
كما شرعت فرنسا في إعداد الطرق والأزقة، وصدر قرار يتعلق بذلك في 18 شتنبر 1907 وقع عليه الخليفة السلطاني مولاي الأمين وبموجبه منع تسقيف “النوايل” بالقش او القصب، و صدر الأمر بتوسيع أزقة وطرق المدينة التي عبدت بالأحجار حتى تتمكن السيارات من المرور.وكانت الطريق الرابطة بين السور الشرقي قرب سيدي بليوط ومركز قيادة الجنرال درود من أولى الأزقة التي شرع في تشيدها خارج الأسوار، وشرع في تهيئة شارع على طول السور الجديد طوله 200متر، وبدأت تهيئة طريق مديونة، وطريق الرباط، وطريق أزمور، وبدأت عملية تسمية الأزقة بأسماء أجنبية ، وكان تعبيد الطرق يتم عبر تسويتها، لتصبح سالكة من قبل العربات خصوصا الخاصة بالجيش، لأن المشكل الذي كان مطروحا ارتبط بالحجارة والنباتات التي كانت تعرقل سير وسائل النقل، وفي سنة 1910 عرفت المدينة ظهور أول سيارة أجرة، كانت تتنقل حول أسوار المدينة.

إنارة وصرف صحي

شرعت المصالح البلدية الجديدة في الاهتمام بالوضع الصحي، وأدخلت إصلاحات على المجزرة منذ 1908، وركزت القيادة العسكرية في ذلك على مبررات ارتبطت بالجوانب الصحية، على اعتبار أن عملية الذبح لم تكن تتم في ظروف مقبولة.
ومند 1910 تم بناء قنوات للصرف الصحي بالإسمنت على مستوى عميق في باطن الأرض، لأنها شيدت في السابق على مستوى سطح الأرض، وهذا ما جعلها بارزة للعيان.
وفي السنة نفسها بدأت أشغال إنجاز مشاريع الماء الصالح للشرب التي كانت المدينة في حاجة إليها، أما بالنسبة إلى الإنارة العمومية فإن “فير” حصل على امتياز احتكار إنارة المدينة من قبل السلطان عبد العزيز، وكانت أول تجربة اشرف عليها “بريط”، بعد إنارة الساحة الكبرى التي أصبحت تحمل ساحة فرنسا.

تجارة وصناعة وتوسع

كانت المشاريع التجارية والصناعية التي وضعتها فرنسا إشارة قوية إلى بداية استعمار المنطقة، فقيام فير بتأسيس شركة السوق الكبير بالممر الذي أصبح يحمل فيما بعد اسم “سوميكا”، كان إعلانا عن نية فرنسا عن وضع برنامجها المستقبلي في المنطقة. وإلى جانب شركات “فير” أنشئت شركات أخرى كشركة بيتو لإنتاج الحليب بتكوين ضيعة بها 30 بقرة، لكن فير ما لبث أن تخلى عن هذا المشروع ليتحول إلى مقاول فأصبح من أغنياء المدينة.
بدأت المشاريع التجارية في التوسع بالمنطقة المخصصة للأوربيين، وتعددت الشركات التجارية من مختلف الجنسيات، فبالنسبة إلى الألمان برزت اسماء شركات كارل فيخ ومانيسمان وباتليراوبير وبالنسبة إلى الانجليز شركات فرنو وشركائه و لامب ومردوخ، وبالنسبة إلى الفرنسيين الشركة التجارية المغربية و”فريو” و”فورنيي” وبالنسبة إلى الإسبان شركات “أتالايا” و “رويز” و”دومينـغو”..”وبدأت العديد من المنتوجات التي لم تكن معروفة في السابق تروج بالدارالبيضاء، وظهرت محلات لبيع السيجارة، ومحلات أخرى لبيع الخمور كالحانات، ومخابز بمواصفات أوربية، والمقاهي ومحلات البقالة. وشيدت فنادق في ملكية الأوربيين، وأصبح بالمدينة أربعة فنادق فرنسية وفندق إسباني، وبدأت عادات جديدة تدخل إلى المدينة، رغم أنها في البداية كانت تقتصر على الأوربيين، لكن تأثيرها انتقل إلى بعض الأهالي.
وظهرت مرافق جديدة كقاعة السينما والمطبعة والمدارس الحديثة والحدائق العمومية.وكان وضع مشروع برج الساعة مند 1908 إعلانا لتثبيت وجود قوات الإنزال، ليصبح رمزا للوجود الفرنسي بالمدينة، ونقل مكتب البريد خارج الأسوار شمال السور الجديد، وأحدثت مدرسة فرنسية في 1908 من قبل وزارة الخارجية الفرنسية لخدمة الأجانب، إلى جانب المدارس الأخرى التي كانت موجودة كالمدرسة الكاثوليكية والمدرسة اليهودية والمدرسة المهنية. وشيدت الحدائق العمومية، ومند 1908 شرع في تهيئة منبت بدأ بإعطاء ثمار الأشجار في سنة 1911، وظهرت الساحات الجديدة كساحة بنك المخزن التي عرفت حركة رواج كبيرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق