ربورتاج

المولات … العين بصيرة واليد قصيرة

مجمعات تجارية تتناسل في بلد لا يتجاوز فيه متوسط الدخل الفردي الشهري 4365 درهما

شهدت البيضاء افتتاح مركز تجاري جديد “مارينا شوبينغ” في أبريل الماضي بمارينا البيضاء ما بين الميناء ومسجد الحسن الثاني، وكلف غلافا استثماريا بقيمة مليار و 300 مليون درهم، ويحتضن 147 متجرا و24 فضاء للمطاعم. وهكذا أصبح الشريط الساحلي الممتد ما بين الميناء وسيدي عبد الرحمان يضم ثلاثة مراكز تجارية كبرى، بها مئات المحلات التجارية والعلامات العالمية في الألبسة والعطور
ومنتوجات التكنولوجيات الحديثة والمطاعم، إضافة إلى المرافق الترفيهية. وارتفع عدد المراكز التجارية الكبرى “مول” إلى 16 مركزا تتوزع على أهم الحواضر المغربية.
ويتساءل عدد من المتتبعين عن أسباب تناسل هذه المراكز خلال السنوات الأخيرة، ومدى تناسب تنامي عددها
مع القدرة الشرائية للمغاربة وحول الفرص التي يتيحها مثل هذا الصنف من الاستثمارات.

إنجاز: عبد الواحد كنفاوي

أعطى المجمع التجاري “موروكو مول” بعدا جديدا لقطاع التجارة بالمغرب، إذ يمثل الانطلاقة الأولى لنشاط التجمعات التجارية بالمغرب. وشكل افتتاح أبوابه في 4 دجنبر 2011 حدثا، بالنظر إلى الغلاف الاستثماري الذي خصص له، إذ تجاوز ملياري درهم، أو من ناحية المساحة المخصصة له والتي وصلت في مجملها إلى 10 هكتارات، في حين ناهزت المساحة المبنية 250 ألف متر مربع، أو بالنسبة إلى الرهانات والأهداف المتوخاة من المشروع، إذ راهن أصحابه أن يجلب 15 مليون زائد في السنة الأولى، ليكون المشروع الأول من صنفه في حوض البحر الأبيض المتوسط وإفريقيا آنذاك.

“مولات” مثل الفطر

فتح مشروع “موروكو مول” شهية عدد من المستثمرين لإنجاز مشاريع مماثلة وإن بحجم أقل، فتناسلت المجمعات التجارية في أهم الحواضر المغربية، وأصبح الشريط الساحلي للبيضاء يضم ثلاثة مجمعات تجارية، دشن آخرها في الشهر الماضي. لكن الاستثمار في هذا المجال امتد ليشمل مدنا أخرى، مثل طنجة وفاس والرباط ومراكش.
ويرى مختصون في المجال أن إنشاء مركبات ومجمعات تجارية يتعين أن يخضع إلى تقنين لتفادي التأثير على هذا النشاط الذي ما يزال في بدايته بالمغرب. كما يتعين أن تكون هناك رؤية واضحة لدى السلطات في ما يتعلق بتنمية قطاع المجمعات التجارية، إذ أن تناسلها بدون تنظيم يمكن أن يؤثر بشكل سلبي على كل القطاع.
وأصبحت المجمعات التجارية “مولات” تتناسل مثل الفطر ويتواصل الاستثمار في القطاع، وينتظر أن تشهد مدن أخرى لم يصلها بعد الاستثمار في هذا المجال، مثل أكادير التي تعتبر من الوجهات السياحية الكبرى للمغرب، إنشاء مركبات تجارية أخرى، ما يطرح السؤال حول الأسباب التي تجعل القطاع يجلب استثمارات، رغم أن المغرب يصنف من بين الدول الأقل دخلا فرديا.

لي ماشرا يتنزه

مما لا شك فيه أن هذه المركبات تعرف إقبالا، إذ يمكن أن يتراوح زوار بعض الفضاءات التجارية بين 40 ألفا و 80 ألف زائر في اليوم، خاصة في أيام العطل وخلال فترة الصيف ومواسم التخفيضات، التي تسجل فيها بعض التجمعات التجارية إقبالا استثنائيا، إذ تجاوز عدد الزوار خلال هذه الأيام 120 ألف زائر في اليوم.
لكن ذلك لا يعني أن هذه المجمعات التجارية تستفيد من تدفق الزوار، إذ أن نسبة كبيرة منهم تأتي من أجل التنقل بين الأروقة دون أن يكون لها نية في التبضع. ويتضح ذلك بجلاء خلال ملاحظة حركات الزوار الوافدين والخارجين، إذ أن نسبة قليلة جدا من المغادرين للمجمعات التجارية هي التي تكون محملة بالأشياء التي تم اقتناؤها، في حين أن النسبة الكبرى من الزوار تغادر المجمع كما دخلته أول مرة. وتتحول هذه المجمعات التجارية إلى فضاءات للترفيه بالنسبة إلى عدد من الأسر، إذ تقصدها من أجل قضاء بعض الوقت والتجول داخل المحلات التجارية والعودة مساء، عملا بمقولة “لي ما شرا يتنزه”.
ويعتبر الإقبال على المجمعات التجارية أحد الأسباب التي تدفع عددا من الماركات العالمية إلى حجز محلات بهذه التجمعات من أجل إنعاش رقم معاملاتها، لكن بعضها لم يحسب المغامرة بشكل جيد فلم يتمكن من الاستمرار واضطر إلى المغادرة، بالنظر إلى أن التوفر على محلات بهذه التجمعات يتطلب تكاليف كبيرة، ما يفرض تحقيق رقم معاملات هام من أجل تغطية هذه التكاليف وتوفير هامش ربح جيد. وأفادت مصادر مطلعة أن كراء محل بالمجمعات التجارية يتراوح بين 15 ألف درهم و 80 ألفا في الشهر، حسب المركب، وداخل المجمع ذاته حسب الموقع الذي يوجد فيه المحل.

400 درهم نفقات الفرد على الألبسة

ارتفع متوسط نفقات الفرد بنسبة 50 % ، خلال 15 سنة، إذ انتقلت من 8280 درهما إلى أزيد من 19 ألفا، حسب بحث أجراه المرصد الوطني للتنمية البشرية. ويخصص المغاربة، حسب البحث، 500 درهم شهريا للألبسة و 458 درهما للنقل والاتصالات، و400 درهم للثقافة والترفيه، في حين تراجعت حصة النفقات المخصصة للتغذية من 41.3 % إلى 34.5. ويخصص العديد من الأشخاص ميزانية منتظمة للتسوق واقتناء المنتوجات والخدمات الجديدة ومواكبة الموضة.

محدودية الدخل

احتل المغرب الرتبة 122 من أصل 187 دولة شملها تصنيف منتدى الاقتصاد والمال والأعمال التابع للأمم المتحدة حول الدخل الفردي خلال السنة الماضية. وأشارت المنظمة الأممية إلى أن الدخل الفردي بالمغرب لا يتجاوز 5456 دولارا في السنة، أي ما يناهز 52 ألفا و 377 درهما، ما يعني متوسط دخل شهري في حدود 4365 درهما. ويثير هذا الوضع تساؤلا بشأن مردودية الاستثمار في المركبات التجارية في بلد يظل الدخل الفردي فيه من الأضعف على المستوى العالمي، إذ يأتي المغرب ضمن الشريحة الثالثة من البلدان الأضعف دخلا، أي في الشريحة ما قبل الأخيرة.
ورغم الدخل المحدود لفئات كبيرة من المجتمع، فإن هذه المراكز التجارية ساهمت، ولو بشكل نسبي، في إحداث تغيرات على مستوى العادات الاستهلاكية للمغاربة، إذ طرأ تطور على بنية نفقات الأسر. وأبانت نتائج بحث أنجزته المندوبية السامية للتخطيط حول الاستهلاك أن الجزء المتعلق بالتغذية في نفقات استهلاك الأسر عرف تراجعا لفائدة النفقات غير الغذائية. وسجل البحث بروزا ملحوظا للنفقات المخصصة لاستهلاك سلع وخدمات ذات قيمة مرتفعة. وأصبح المغاربة أكثر إقبالا على مراكز التسوق والمحلات التجارية الكبرى الحاصلة على توكيلات علامات تجارية كبرى في إطار عقود “فرانشيز”. وترجع المندوبية السامية للتخطيط هذا التحول إلى تحسن نسبي في متوسط الدخل الفردي. لكن ما يزال في مستويات ضعيفة، مقارنة ببعض البلدان العربية الأخرى، التي تعترف بدورها انتعاشا في عدد المجمعات التجارية، التي تحولت إلى عنصر جذب للزبناء.

وشجعت تجربة “موروكومول” التي صاحبتها تغطية إعلامية في تشجيع ماركات عالمية على فتح فروع لها بالمغرب، خاصة مع افتتاح مراكز تجارية كبرى، مثل “أنفا بلاص شوبينغ” وحاليا “مارينا سوبينغ” وفي المجمعات التجارية الأخرى بمدن طنجة وفاس ومراكش.
وتعرف محلات “الفرانشيز” والمراكز التجارية الكبرى إقبالا ملحوظا، خاصة، خلال فترات “الصولد”، في حين هناك من يربط مع محلات للألبسة تعاملات بـ”الكريدي” من أجل اقتناء جديد السوق، حتى وإن لم تتوفر لديه الإمكانيات المالية الضرورية. وتحول المغرب إلى سوق يستهوي مصنعي هذا الصنف من المنتوجات، وعمدت العديد من الماركات العالمية إلى منح توكيلات تجارية (فرانشيز) إلى مستثمرين مغاربة من أجل تسويق المنتوجات التي تحمل هذه العلامة بالمغرب.
لكن تناسل المجمعات والمراكز التجارية دون دراسة مسبقة وتخطيط من شأنه أن يشل الحركة وأن يؤثر سلبا على القطاع بأكمله، وهناك عدد من العلامات التي سبق أن حجزت في بعض المراكز التجارية، لكنها لم تتمكن من تحقيق أهدافها التجارية، فاضطرت إلى مغادرة هذه الفضاءات.

صحيح أن المشرفين على بعض هذه المراكز يبدعون عددا من الأساليب من أجل جلب الزوار إلى هذه الفضاءات، لكن الإقبال لا يمكن أن تكون له نتائج إيجابية على المحلات التجارية إلا إذا ساهم في إنعاش الحركة التجارية ورقم معاملاتها. ويؤكد عدد من مسيري محلات تجارية داخل المجمعات التجارية أن حجم المبيعات الذي تحققه نسبة من المحلات لا يمكن من تغطية التكاليف وتتحمل ذلك في انتظار أن تتحسن الأمور ويرتفع رقم معاملاتها. وهناك بعض المحلات التي لم تتمكن من تحمل العجز المتراكم في حساباتها واستنفدت احتياطاتها المالية، فاضطرت إلى المغادرة. ويلاحظ في بعض المجمعات التجارية عدد من المحلات التجارية الشاغرة، إما لغياب من يكتريها أو مغادرتها من قبل إحدى العلامات التجارية.

ومن بين المفارقات أن وتيرة إنشاء مجمعات تجارية في تواصل، في وقت يعرف بعضها صعوبات في الحفاظ على العلامات التجارية به، وقد اضطر أحد المجمعات بالبيضاء، قبل سنوات، إلى إعادة هيكلة فضاءاته من أجل إعطاء ديناميكية تجارية للمجمع، إذ تمت إعادة النظر في السياسة التسويقية التي كانت معتمدة، وتم التركيز على بعض القطاعات التجارية بعينها، بما يضمن انسجاما بين مختلف المحلات الموجودة.
ويتوقع عدد من المتتبعين أنه إذا تواصل فتح المجمعات التجارية بهذه الوتيرة، فإن عددا منها سيعرف مشاكل وسينتهي إلى الإعلان عن الإفلاس، فهناك مجمعات تجارية تشكو عجزا في حساباتها بسبب الرواج التجاري المحدود، رغم أن هناك إقبالا كبيرا عليها، لأن أغلب المترددين على هذه الفضاءات التجارية ينطبق عليهم المثل الشعبي “العين بصيرة واليد قصيرة”، أي أنهم يكتفون بمشاهدة ما تعرضه المحلات ولا تسعفهم جيوبهم على التبضع.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق