fbpx
مقالات الرأي

فوزي: لحظة من زمن علقتُ عند أطرافه منذ زمن

وأنا على مشارف الأربعين يأخذني الحنين إلى زمن بعيد حيث كان للأيام رنين، وحيث الثمالة في زمن لا بداية له ولا نهاية في ذاك الماضي البعيد الذي يسكنني هنا الآن. مكان للأيام الخوالي كان يفيض ويتدفق عبر الزمن ليشكل في تماهيه وإياه عنوانا لجمالية اللحظة.
إنها الطفولة يا سيدي، إنها ربوع تتشكل عندها الأماني، وتنمو في أحضانها الأحلام، وتزهر عند كل زاوية منها سنين عمر لم يكن واردا عدها حتى. طفولة تسكنني اليوم بحنين قاتل لحمار كنت أركبه قاصدا ذاك النبع لأغرف منه الماء وأروح به لوالدتي التي تستقبلني عند كل عودة كمقاتل عائد من ساحة الوغى بلمسة حنان على قفاي، وتمدني برغيف ساخن مملوء بالزبدة البيضاء النقية. بين قضمة وقضمة لحن رشفة من كأس شاي مشبشبة. إنها الطفولة يا قارئ زمني في سطوري، حيث عند الغسق نستقبل معا الماشية أنا وأمي واقفين عند عتبة الزريبة كعس قصور ينظم حركة الدخول ونوزع الخراف الصغيرة على أمهاتها بعد يوم طويل من الفراق لتحظى بالحنان عند طرف حلمة. بعده نعيد تنظيم النعاج الوالدة في طابور خاص بشكل هندسي رائع، لنحظى نحن أيضا بنصيبنا في حليبها، فلمواليدها حق ولنا حق أيضا. ديموقراطية غير معلنة تنظم علاقتنا بها دون أن نكون مضطرين لتدوينها في تعاقد مكتوب.
إنها الطفولة يا سيدي، حيث لصياح الديكة معنى نداء الاستيقاظ، ولنباح الكلاب معنى الاستعداد لخطر ما يقترب، ولنهيق الحمير معنى الشؤم، ولصهيل الأحصنة معنى الخير. كل شيء في عالمنا الصغير هنا له دلالة خاصة، كل شيء منظم بمقياس خاص. هذه هي الطفولة التي تسكنني، ناي وزمن التيه في الحقول، وسرقة فاكهة المشمش من أشجار عمي أحمد الكفيف، التلصص على البنات أثناء فترة الاستراحة المدرسية وهن يقضين حاجتهن خلف أسوار المدرسة، وهن في كل مرة ينصبن حارسة خاصة تراقب كل من سولت له نفسه الاقتراب. زمن المطعم المدرسي ن وذاك الطابور المهيب، ننتظر فيه الظفر بشق خبز أبيض، ليس كخبزنا الأسود الذي الأساس فيه دقيق الشعير، شق يقوم الطباخ المتحايل بغطس سكينه اللعينة في علبة سردين ومسحها داخله لنفوز برائحة السردين فقط، ويوفر هو لنفسه بقية العلب. هذه هي الطفولة التي تسكنني يا سيدي، عطل بين الأغنام فيها الأيام تمر بدون رتابة، بحث دائم عن أعشاش طير الحجل، وقوت على ظهر حمار يتقدم القطيع كقائد أوركسترا ولا يغيب إلا لحظة الغذاء كأنه عقد اتفاقا مع الجوع منذ الأزل. كلب يرافقني كظلي، وذنبه لا يهدأ عن التحرك إلا تحت رحمة أشعة الشمس الحارقة حين نأوي أنا وهو لنتفيأ ظل كهف يوجد عند منبع المياه الذي نرده يوميا. هناك نستريح زمن الظهيرة ونتقاسم أنا وهو وليمتي، فيرد شاكرا بذيله الذي يحركه امتنانا وعرفانا.
هذا هو الزمن يتشاقني كلما طرقت الشيخوخة قفاي في زغبة بيضاء تظهر من حيث لا أدري لتذكرني بهذا الماضي الذي عنده سجن زمني. حنين يأخذني بشكل دائم لهذا الماضي البعيد، والذي عنده توقفت أحلامي عن الرقص، وتوقف زمني عن التدفق، ومكاني علق عند دوامة الغياب لظروف أصبحت تتجاوزني لحظة أنا الآن.
عفوا هاتفي يرن الآن، كنت سأتمم حكايتي في شذرات من زمني لأحكي لكم هوسي هذا الذي يسكنني منذ زمن بعيد، عفوا، سأتوقف هنا لأرد على اتصالها يا سيدي فهي تتصل الآن وليس واردا حتى في الأحلام ألا أجيبها.
آلو….
من معي؟
معجب من زمن بعيد
أعتذر لكنني لا أعرفك
ليس مستعبدا أن لا تعرفيني، ولكن ستتعرفين إلي إن أردت.
كيف أتعرف إليك، وبأية طريقة ؟
من كلامي، من نبرة صوتي
عفوا كل الأصوات في أذني لها نفس الوقع .
ستعرفينني من نظرتي إن سمحت بتشغيل الكاميرا
عذرا لست من هذا النوع سيدي سيدتي في صوتي آلام عمر طال فيه الانتظار، وفي العين بوح لا تتحمله رقة الكلمات
عذرا سيدي ، أنا لا أعرفك
سيدتي يوما ما ستعرفين أن هناك رجل آتى من قاع الزمن ، حيث كان ينتظر بارقة للأمل ، وكان يستجمع كلماته منذ غرق الفرعون لينظمها في سطور تليق بقداسة لحظة البوح في حضرتك
سيدي لست أفهم
سيدتي ، إليك البوح بضعفي ، أنا رجل آت من زمن بعيد ، أتيتك بخبر يقين ، هو أنني فاشل ، وعرفت هذا مذ أحببتك ولم أستطع البوح لك بجنوني
سيدتي أنا الآن أختبئ وراء شاشة هاتفي وأكلمك لأنني فاشل في مواجهتك ، فعلى عينيك تفقد كلماتي رشدها، وفي ابتسامتك تتطاير كل النصوص التي حفظتها لزمن طويل استعدادا للحظة لقاك من ذاكرتي
سيدتي لست متحرشا ، ولا أريد منك سوى الوصال ، حتى وإن فشلت في كل شيء ، فأنا على يقين بأنني أهواك وهذا هو نجاحي الوحيد
سيدتي ….. سيدتي ….
آلو……. ……
أغلقت الخط …. وعدت لأعيش وحدتي في ذاك الزمن البعيد كوحيد قرن، أنا وحيد قرن والفرق بيني وبينه أنني بدون قرن.
نعم عفوا سيدي ماذا كنت أقول؟
كنت تتحدث عن تلك الدوامة التي تحاصرك اليوم في الحاضر بنكهة الماضي وتجعلك مجرد جسد تعيش الحاضر بوهم يسكنك منذ الأزل.
سيدي زمني اليوم هو زمن انشغال لا ينتهي، إكراهات تحاصرني من كل صوب وحدب، عمل ممل، مجتمع فيه الأغلبية خراف. زمن فيه الحديث يطول، وتفاصيل قد ترى النور في مشروع سيرة ذاتية

فوزي لحسن: أستاذ مادة الفلسفة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى