fbpx
بانوراما

الأغنية الدينية … “سلوا قلبي” تتحول إلى منشور سياسي

الأغنية الدينية… قصص وكواليس4

يحتل الغناء الديني مكانة هامة في حياة الإنسان، ويكون له تأثيره البالغ في لحظات الصفاء النفسي والسمو الروحي التي تنتاب الإنسان في حياته.  واتخذ هذا النوع من الغناء، الذي يعتبره المؤرخون أصل الطرب العربي،  أشكالاَ متعددة تؤدى في المناسبات المختلفة وتتنوع صوره وأنماطه، فمنها المدائح النبوية، والمواويل الدينية، والقصص الشعبي الديني، للمناسبات المختلفة والتواشيح الدينية، وأناشيد صلاة العيدين. عبر هذه الحلقات تستعيد “الصباح” أشهر حكايات الأغاني الدينية التي ميزت تاريخ الأغنية

عزيز  المجدوب

ارتبط الموسيقار رياض السنباطي بصوت أم كلثوم لدرجة أن العمود الفقري لمنجزها الغنائي تأسس على ألحان السنباطي، رغم تعاملها مع ملحنين قبله أو بعده، إلا أن ما يشبه زواجا بين صوتها وأنغامه أثمر عشرات الأغاني والقصائد التي خلدتهما معا.
وتعود بدايات تعامل السنباطي مع أم كلثوم إلى النصف الأول من الثلاثينات، حين غنت من ألحانه الأغنية الشعبية “على بلد المحبوب ودّيني” التي سمعتها بصوت المطرب عبده السروجي، فاستأثرت بها لنفسها، لتبدأ مسيرتها الطويلة مع السنباطي التي بلغت مداها مع الشوقيات الدينية خلال مرحلة الأربعينات وأشهرها رائعة “سلوا قلبي”.
حين غنت أم كلثوم “سلوا قلبي” في الخميس الأول من مارس 1946، استمرت الوصلة لمدة ساعتين كاملتين، بسبب أن الجمهور كان يستعيد مقاطع الأغنية رغم أنها دينية في مديح النبي محمد، لدرجة أن الصراخ كان يعلو لحظة أدائها لمقطع “وعلمنا بناء المجد حتى/ حتى أخذنا إمرة الأرض اغتصابا/ وما نيل المطالب بالتمني/ ولكن تؤخذ الدنيا غلابا…”.
فقد حول السنباطي القصيدة الصوفية إلى منشور سياسي تحريضي، إذ كانت مصر تعيش حينها فورة الحماس الوطني والرغبة في الانعتاق من الاحتلال الإنجليزي، فجاءت هاته الأغنية ليحملها الجمهور ما لم تكن تحتمله ويستخرجوا من أبياتها ما يوافق مزاجهم الحماسي الثائر.
واختار السنباطي من ديوان أمير الشعراء أحمد شوقي قصيدة “في ذكرى المولد” وهي قصيدة طويلة في مدح النبي تبلغ 71 بيتا اختار منها، بالتشاور مع أم كلثوم 21 بيتا، وبدأ في تلحينها، وهي التي يقول مطلعها “سلوا قلبي غداة سلا وتابا/ لعل على الجمال له عتابا/ ويُسأل في الحوادث ذو صواب/ فهل ترك الجمال له صوابا/ وكنت إذا سألت القلب يوما/ تولى الدمع عن قلبي الجوابا…”.
وكانت الأبيات المختارة تفيض بالحماسة والوطنية والروح النضالية والقوة في طلب الحق، إذ أودعها السنباطي شحنة هائلة من روحه ومزاجه الوطني الذي سجلت عنه العديد من المواقف في هذا الصدد.
وأثارت “سلوا قلبي” الجمهور بالحماسة الوطنية التي تضمنتها وبالخشوع الديني الذي يتدفق منها، وبالروح النضالية التي تتفجر من أبياتها وبقفلاتها الرفيعة المبتكرة التي يختم بها كل بيت على حدة لدرجة أنها تعد من القطع الصعبة في الأداء.
وبلغ انفعال الجمهور حدا لم يتوقعه السنباطي نفسه، خاصة في المقطع الدرامي الذي تصيح فيه أم كلثوم “وما نيل المطالب بالتمني/ ولكن تؤخذ الدنيا غلابا” لأن كلمة “المطالب” تم تحميلها مضمونا سياسيا ثوريا، كما أن تلحين المقطع كان بالغ القوة وقفلته قمة الغليان.
وتوجت أغنية “سلوا قلبي” السنباطي سيدا لملحني القصيدة الدينية، وهو ما تجلى في إصرار أم كلثوم على إسناد مهمة تلحين معظم أغانيها الدينية إلى السنباطي، إذ لم يكن محض صدفة ينبري لتلحين عشر قصائد لشوقي، بل إنها غنت له في السنة نفسها أربع قصائد أخرى وهي “وُلد الهدى” و”نهج البردة” و”سلوا كؤوس الطلا” و”قصيدة السودان”.

سلطان القصائد الغنائية الدينية

ظل السنباطي بمثابة السلطان المتوج على عرش القصائد الغنائية الدينية والصوفية، لأن ذلك كان يعكس وضعه الخاص وتربيته، إذ أنه كان متصوفا ويحفظ تراث القصائد والأناشيد الصوفية عن ظهر قلب، فقد تربى موسيقيا على والده الشيخ محمد السنباطي، وكان عازفا ماهرا ومطربا يتكسب من الغناء في الموالد والأفراح والمناسبات الدينية ويحفظ رصيدا هائلا من الألحان والأغاني الصوفية، وهو الذي اشترط على رياض لكي يعلمه العزف على العود، أن يحفظ القرآن، فحفظ رياض أجزاء كبيرة منه بقراءاته السبع وأتقن أصول التجويد، وهو ما ساهم كثيرا في فهمه ووعيه بالقصائد الصوفية التي لحنها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى