مقالات الرأي

معداد: مستهلك الخدمات الإلكترونية … أية حماية في التشريع المغربي

إن التجارة  الإلكترونية  فرضت  نفسها على الواقع باعتبارها  أحد نتائج العولمة الاقتصادية و صارت اليوم حقيقة يعيشها المستهلكين و المجتمع ككل، فأتاحت العديد من المزايا بالنسبة لرجال الأعمال و الشركات التجارية في عملية عرض الخدمات بين العديد من الجهات دون لقاء مباشر فيما بينهم، مما تستدعي توسيع نطاق الحماية الخاصة بالمستهلك الإلكتروني لأن هذا الموضوع له مساس مباشر بواقع الناس و حياتهم و يتعرض لمسائل يعيشونها و يتفاعلون معها و يبقي المستهلك هو أساس العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والاهتمام به على جميع المستويات سواء قبل التعاقد أو بعد التعاقد أمر ضروري نظرا لكونه يفتقد معاينة الخدمة.

وتتنوع معاملات التجارة الإلكترونية و أشكالها فهناك التجارة الالكترونية بين التجار بعضهم البعض و يرمز لها “B2B” ،و هناك التجارة بين المستهلكين و التجار و يرمز لها “B2C” و هذا النوع الاخير الاكثر انتشارا، الأمر الذي سعى بالمشرع المغربي لخلق بيئة قانونية تشكل مرتع هذه النوعية من المعاملات الاستهلاكية الالكترونية بمقتضى القانون 31.08 الذي خرج الوجود سنة 2011 مع العلم أنه وليد الثمانينات من القن الماضي والسبب في ذلك تدخل المؤسسات التجارية التي ترى في خروجه حيز التطبيق مساس بجوهر و أساس وجودها و هو تحقيق الربح .

و نتيجة المخاض العسير الذي مر منه هذا القانون ، يدلي بإشارة قوية على أننا أمام قانون يتميز بطابع الخصوصية ،كونه يتضمن مقتضيات قانونية لحماية المستهلك الالكتروني،  الامر الذي نبسط من خلاله اشكالا محوريا حول مدى نجاعة نصوص القانون 31.08  لحماية مستهلك الخدمات الالكترونية ؟

و يتفرع عن هذا الاشكال عدة تساؤلات على الشكل التالي:

  • ما هي حدود حماية المستهلك الالكتروني و مبرراتها ؟
  • و ما هي آليات حماية المستهلك الالكتروني مدنيا خلال مراحل التعاقد؟

وهكذا فإننا سنعالج مختلف المقتضيات التي عالجت هذه الجوانب المشار غليها سلفا و فق التصميم التالي:

  • المطلب الأول : نطاق حماية مستهلك الخدمات الإلكترونية و مبرراتها .
  • المطلب الثاني: الحماية المدنية لمستهلك الخدمات الإلكترونية و فق التشريع المغربي.

المطلب الأول : نطاق حماية مستهلك الخدمات الإلكترونية و مبرراتها .

نظرا للمخاطر الكبيرة التي تنطوي عليها العملية الاستهلاكية في جميع مراحلها ومن أجل وقاية المستهلك من مخاطر ما يقتنيه من سلع و خدمات إلكترونية و وقوعه ضحية لنزعته الاستهلاكية، وجب على التشريعات أن تتعرض لحماية المستهلك في المعاملات الإلكترونية لاستخراج الآليات اللازمة لإعادة التوازن في العلاقات الاستهلاكية بما يرفع الضرر عن المستهلك ،وسوف نتناول تبعا لذلك في الفقرة الأولى ” نطاق حماية المستهلك ” ثم في الفقرة الثانية سوف نتطرق الى “مبررات حماية المستهلك “.
الفقرة الأولى : نطاق حماية مستهلك الخدمات الإلكترونية.
نتيجة للثورة التكنولوجية ظهرت مشكلة حماية المستهلك الإلكتروني كون هذا الأخير الطرف الضعيف في العلاقة التعاقدية مع المهني العالم بخبايا السوق الافتراضية على اعتبار أن التعاقد في المعاملات الإلكترونية يكون عن بعد ولا يكون المنتج محل التعاقد بين يدي المستهلك. وهذا ما نص عليه المشرع في “المادة 26-1 من القانون المتعلق بتحديد تدابير لحماية المستهلك على كون أحكام الباب الثاني تطبق على كل شخص طبيعي أو معنوي يمارس نشاطا عن بعد أو يقترح بواسطة إلكترونية توريد منتوج أو سلعة أو تقديم خدمة للمستهلك …بواسطة تقنية الاتصال عن بعد “.
أولا : أطراف العلاقة الاستهلاكية.
1:المستهلك الإلكتروني.
يكتسي تعريف المستهلك الالكتروني أهمية بالغة فهو بمثابة معيار لتحديد الشخص المقصود بالحماية وهذا ما دفعنا إلى محاولة إيجاد مفهوم المستهلك الالكتروني في بعض التشريعات المقارنة التي عملت على تحديد مفهوم المستهلك ، وباستقراء ما جاء في تلك التشريعات عند تعريفها للمستهلك یلاحظ أنها عملت من حیث المبدأ على اعتبار الأشخاص الطبیعیین الذین یبرمون التصرفات لأغراض غیر مهنیة مستهلكین، و ذلك وفق الشكل التالي :
أ: في التشريع الفرنسي.
عرف القانون الفرنسي من خلال المادة الثالثة من القانون رقم 344-2014 الصادر ب 10مارس 2014 و المعروف بقانون هامون (Hamon) بأنه كل شخص طبيعي يتصرف لغايات لا تدخل في إطار نشاطه التجاري ،الصناعي، الحرفي أو المهني .
فالملاحظ أن المشرع الفرنسي تناول تعريف المستهلك بصفة عرضية و اعتمد في تحديد ذلك على معيار الغاية و هو الاستعمال الشخصي للمنتوج دون أن يكون لذلك ارتباط بالنشاط المهني للمستهلك، و رغم ذلك صدر هذا القانون في صياغته خاليا من أي تعريف للمستهلك الإلكتروني .

ب: في التشريع المغربي .
يعرف المستهلك وفق أحكام المادة 2 من القانون 31.08 القاضي بتحديد تدابير لحماية المستهلك : ” كل شخص طبيعي أو معنوي يقتني أو يستعمل لتلبية حاجياته غير المهنية منتوجات أو سلعا أو خدمات معدة لاستعماله الشخصي أو العائلي. وبهذا التعريف يكون المشرع قد جنب الفقه و القضاء عناء البحث عن تعريف ملائم ، إلا أنه لم يتطرق لتعريف المستهلك الإلكتروني .
و بالرجوع الى القانون (31.08) في الباب الثاني منه و المعنون : بالعقود البرمة عن بعد نجد أن المشرع المغربي حصر هذه العقود في عقد البيع إذ نص في المادة 27 من القانون أعلاه “يكون عقد البيع عن بعد بوسيلة إلكترونية صحيحا إذا أبرم طبقا للشروط المنصوص عليها في القانون رقم 53.05 المتعلق بالتبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية و التشريعات المعمول بها في هذا المجال و كذا الشروط الواردة في هذا القانون .”
مع العلم أن المستهلك الإلكتروني قد يبرم عقودا الكترونية من أجل شراء و إيجار-مثلا عندما تبرم مؤسسة عقد إيواء موقعها الإلكتروني بخادم server بدولة ما تكون بذلك قد ابرمت عقد ايجار مساحة لوضع موقعها الالكتروني بذلك الخادم بطريقة إلكترونية – و انتفاع – مثلا عندما تبرم مؤسسة تعليمية عقدا مع شركة ما لصيانة الموقع الإلكتروني، لكون هذ الأخير أصبح عاجز عن تقديم الخدمة المرجوة منه ،كالاطلاع على بيانات النقط أو بإضافة خدمات اخرى تمكن من الاطلاع على كل التخصصات و البرامج المتعلقة بالكلية عبر وسيلة إلكترونية، بهذا نكون أمام عقد ايجار إلكتروني لخدمة إلكترونية -و غيرها من أجل توفير كل ما يحتاجه من خدمات إلكترونية لإشباع حاجاته الشخصية أو العائلية دون يقصد من ذلك إعادة تسويقها و دون أن تتوافر له الخبرة لمعالجة هذه الأشياء و إصلاحها ، إذن فأي حماية للمستهلك في هذه النوعية من العقود.
ومن خلال ما سبق يمكن تعريف المستهلك الإلكتروني أنه كل شخص طبيعي أو معنوي يقوم باستعمال أو الخدمات الإلكترونية لإشباع حاجاته و لا يهدف إلى إعادة بيعها أو تحويلها أو استخدامها في نشاطه المهني، وأن يقوم التعاقد بشأن تلك الخدمات بالوسائل الإلكترونية الحديثة، كما أن المهني يمكن أن يعتبر مستهلكا إذا تعاقد على خدمات غير متعلقة بأعمال مهنته ،في حين لا يعتبر مستهلكا إذا تعاقد على خدمات متعلقة بأعمال مهنته كشراء آلة يستخدمها في مصنعه ، أو سيارة يستعين بها في توزيع البضائع على الزبناء .
2: المورد.
بعد تعريف الطرف الأول في عقد الاستهلاك المتمثل في المستهلك الالكتروني نتطرق إلى تعريف المورد الطرف الثاني في العملية التعاقدية، باعتباره كل شخص طبيعي أو معنوي يظهر في العقد الإلكتروني كمحترف يمتلك موقعا إلكترونيا يدعو من خلاله لإبرام العقود ليدخل في علاقة خصيصا مع المستهلكين في دولة أو عدة دول، إذن فالمورد هو الشخص الذي يطلق عليه لقب التاجر اذ كان طبيعيا أو شركة إذا كان شخصا معنويا .و هذا ما سماه المشرع المغربي بالتاجر السيبراني حيث انه نص في الفقرة الثالة من المادة 25 من القانون 31.08″يقصدب :
….. تاجر سيبراني : كل شخص طبيعي أو معنوي يتصرف في إطار نشاط مهني أو تجاري بإستعمال شبكة الأنترنيت .”
و بهذا يكون المشرع المغربي وضع حدا فاصلا بين المورد العادي أو التقليدي إذ يقصد به حسب مقتضيات المادة الثانية من القانون 31.08:
“… يقصد بالمورد كل شخص طبيعي أو معنوي يتصرف في إطار نشاط مهني أو تجاري ” و التاجر السيبراني ان هذا الأخير يتصرف عبر وسيلة الكترونية . غير أنه ما يعاب على المشرع المغربي لم يحدد شروط اكتساب صفة التاجر السيبراني و لا خصائصه لا من خلال القانون 31.08 ،و لا القانون 53.05 ،و لا التعديلات التي طالت مدونة التجارة.
ثانيا: الخدمة الإلكترونية.
بالرجوع إلى القانون 31.08 نجد أن المشرع المغربي لم يعرف المقصود بالخدمة و إنما اكتفى بالشارة إليها كحاجية يقتنيها المستهلك من السوق لتلبية رغباته الاستهلاكية .
و على سبيل القياس إذا ما رجعنا الى القانون 24.09 نجده يعرف كل من المنتوج و الخدمة ، و بالتمعن في هده التعاريف نجدها ذات مصطلحات عامة و فضفاضة يمكن أن تدخل في محتواها الخدمات الإلكترونية تحسبا من الشرع لما يأتي مستقبلا نتيجة الثورة التكنلوجية التي ما فتأت ان تفاجئنا يوميا بخدمات تنسينا في سابقتها .
وبناءا على ما سبق تعرف الخدمة عموما بكونها عمل يؤديه المورد أو المهني لصالح المستهلك، بحيث يمكن تقويم هذا الأداء بثمن ، بغض النظر عن طبيعته المادية إن كان ملموسا كإصلاح الأشياء المادية أو تركيبها ،أو معنوية كالاستشارات القانونية ، والخدمة الالكترونية خصوصا بكونها من الخدمات المعلوماتية التي تشمل التزويد بالمعلومات عبر شبكة الأنترنيت ، و الإتصالات التجارية و أدوات البحث و الوصول إلى المعطيات و جمعها و الوصول الى شبكة الإتصالات أو ايواء و استضافة المعلومات و المواقع الالكترونية ،أو أي مهمة يؤديها القطاع العام أم الخاص بطريقة إلكترونية يكون فيها التسهيل على المواطن مسألة التنقل و الوقت كأداء الضريبة على السيارات بطريقة الكترونية فهي خدمة حينما يتم استعمالها يؤدي المستهلك مقابلا
لذلك .

ثالثا: السوق الافتراضية.
السّوق :هو المكان الحقيقي أو الافتراضي الذي تطبق فيه عمليات الطلب والعرض؛ إذ يوفر تفاعلا بين البائعين والمشترين من أجل تقديم الخدمات أوبيعها بمقابل ، كما يعرف السوق أيضا بأنه المساحة أو المنطقة التي تحدث فيها العمليات التجارية عن طريق وجود اجتماع بين الناس والتجار في مكان واحد ، و من التعريفات الأخرى للسوق أنه المكان الذي تجلب إليه السلع من أجل ابتياعها وبيعها.
و نتج عن شبكة الانترنت التي أحدثت تحولا ثوريا في الطريقة التي يتسوق بها الكثيرون نظرا للخصائص التي تتمتع بها ، كونها قادرة على تقديم إمكانیة الدخول إلى الأسواق العالمیة الافتراضية ، الأمر الذي أدى إلى تحقیق عائد أكبر من الذي تحققه ممارسة النشاط التجاري بشكله التقلیدي؛ بفضل التغلب على الحدود الجغرافیة و عامل الوقت الذي یقید في كثیر من الأحیان حركة التجارة التقلیدیة، وهذا حول العالم إلى سوق لا مادي ،مفتوح أمام المستهلك الالكتروني للتسوق من أجل إشباع حاجاته من الخدمات من دون أن یكون هناك وجود مادي لطرفي العقد، فكان لا بد من توفیر الحمایة اللازمة له باعتباره الطرف الضعیف، في المعادلة التي تربطه بموردي ومزودي الخدمات، الذین یستخدمون مختلف وسائل الدعایة والإعلان و العروض المبهرة والمبالغ فیها في بعض الأحیان التي تؤثر في توجیه إرادة المستهلك وتدفعه إلى التعاقد، هذا فضلا عن أن التعاقد یتم في فضاء إلكتروني إفتراضي ، مما یجعل المستهلك غیر قادر على معاینة الخدمات للتأكد من نفعها وسلامتها لتلبیة احتیاجاته بالشكل المطلوب.

الفقرة الثانية : مبررات حماية مستهلك الخدمات الالكترونية .

بعد اتساع مستخدمي الأنترنت في العالم بدأ يتبلور مفهوم الحماية الإلكترونية للمستهلك، والذي يعني الحفاظ على حقوقه و حمايته من الغش و الاحتيال أو شراء بضائع مغشوشة باستخدام شبكة الأنترنت التي تستطيع الوصول إلى كل مكان و تمارس تأثيرا يتجاوز أحيانا الأدوات التقليدية في الواقع.
و تتلخص مبررات ضرورة حماية المستهلك في التعاقد الإلكتروني في التطور الحديث في شبكة الأنترنت و حاجة المستهلك إلى الخدمات الإلكترونية مع افتقاره إلى التنوير المعلوماتي التقني.
أولا : لتطور الحديث في شبكة الأنترنت.
ظهرت العديد من التقنيات و الأدوات التي ساهمت في تطوير عالم الأنترنت مما جعلها من أحدث الخدمات التقنية التي يعتمد عليها في تفاعل المستهلك مع جهاز الحاسوب، فمن خلالها يمكن الوصول إلى العديد من السلع و الخدمات بطريقة سهلة، ويمثل التطور التقني في هذا الجانب واقعا علميا يأتي بتطورات مستمرة، مما ينبغي أن يقود إلى تحسين الروابط التجارية بين المزود و المستهلك، بهدف الحصول على أفضل أداء للممارسات التجارية الإلكترونية،
غير أن للتطور التقني جانب سلبي يمكن أن يؤثر على الوصف القانوني لعقد التجارة الإلكترونية عبر شبكة الأنترنت ،كانعدام معاينة المبيع بطريقة حقيقية أو الالتقاء مع المزود في العقد التقليدي و ما له من آثار على كسب ثقة المستهلك .
ثانيا: حاجة المستهلك إلى الخدمات الإلكترونية.
إن حاجة المستهلك إلى السلع والخدمات الضروریة التي تقدم عبر شبكة الإنترنت (كالخدمات المصرفیة وبرامج الحاسب الآلي وغیرها)، تدفعه إلى الإقبال علیها وإبرام التصرفات من شأنها ، وغالباً ما یفتقد المستهلك إلى الخبرة والدرایة والمعرفة في مجال تقنیة تكنولوجیا المعلومات – لاسیّما شبكة الإنترنت – الأمر الذي یدفعه إلى الدخول في علاقات من خلال مواقع إلكترونیة وهمیة، وبالتالي تعرضه للاحتیال والخداع .
ومن المعروف أیضا ،أن المستهلك هو الطرف الأضعف في المعادلة الاقتصادیة، وبالتالي كان لابد من تمكینه من الحصول على الفائدة المثلى من موارده المالیة و حمایته من كل ما من شأنه الإضرار بمصالحه الاقتصادية، التي تتأثر بشكل مباشر عند تخلف أي عنصر من عناصر الخدمة بشكل يوازي الثمن الذي قام المستهلك بدفعه كمقابل لها .
ثانيا: افتقار المستهلك الى التثقيف المعلوماتي .
تعتبر شبكة الإنترنت المنتشرة حول العالم نافذة مفتوحة أمام الملايين من الناس، فهذه الشبكة تمثل صالة عرض لكافة المنتجات والخدمات، فالبريد الإلكتروني ومواقع الإنترنت والتفاعل المباشر تتلخص جمعيها في هدف واحد ألا وهو عرض أنواع متباينة من المنتجات والخدمات للمستهلك، والتعاقد معه من خلالها.
فقدرة المستهلك على التعامل مع جهاز الكمبيوتر وشبكة الإنترنت تسهل عليه الوصول إلى المنتجات والخدمات التي يريدها، وهنا يجب أن نفرق بين ما يسمى إعلام المستهلك والذي هو من حقوقه وبين مستوى معرفة المستهلك المعلوماتية بشبكة الإنترنت، والتي تمثل حد أدنى من أجل وصول المستهلك إلى معلومات عن الخدمات والمنتجات، فالحد الأدنى يعبر عن قدرة المستهلك عن التعامل مع جهاز الحاسب وشبكة الإنترنت، و افتقاره لهذا الأمر قد يؤدي إلى وقوعه بحيل وخداع قراصنة الإنترنت من خلال المواقع الوهمية أو التعاقد الوهمي. لذا فإن حاجة المستهلك إلى الحماية في التسوق الإلكتروني تنبع أيضًا من كون المستهلك الطرف الأقل خبرة ودراية في المعاملات التجارية الإلكترونية، والأقل قوة في المعادلة الاقتصادية، فضلا عن فقدانه الثقة في التعامل عبر الأنترنت مع العلم أن هذه الثقة هي الركيزة الأساسية التي تقوم عليها التجارة و يحرص عليها المتعاملون فيها.
و هو ما يدفعنا إل التساؤل عن الكيفية التي يمكن من خلالها أن نضمن للمستهلك تراضيا حرا وواضحا في عالم غير مادي ليست له دراية كافية بتقنياته ووسائطه المستخدمة ، و لا يعرف فيه صاحب العرض معرفة مادية لذا كان من الطبيعي بروز الحاجة لاتساع نطاق الوسائل الحمائية الخاصة بالمستهلك الإلكتروني و التنظيم القانوني لهذه المعاملات على امتداد مراحل العملية التعاقدية .

المطلب الثاني: الحماية المدنية لمستهلك الخدمات الإلكترونية و فق التشريع المغربي.

شهد العالم اليوم تطورات عالية الأهمية و دقيقة النتائج و الآثار مما يستدعي وضع آليات قانونية لحماية المستهلك حين يلجأ إلى التعاقد الإلكتروني، وذلك ين أجل إبراز عقد البيع المبرم عبر الأنترنت عقد بيع آمن وموثوق، فعادة عرض الخدمات كثيرا يا تصاحبه المبالغة في الدعاية والإعلان وهذا الأمر يؤثر بشكل واسع على توجه المستهلك وقد يوقعه في الشك و الغلط مما يضر بمصالحه.
وهذا ما دفعنا لتناول الحماية التي قررها التشريع الوطني في سبيل توفير ضمانات أكثر
للمستهلك الإلكتروني كي يكون على بينة من أمره قبل إبرام العقد، بل وحتى بعد إبرام العقد باعتبار أن هذا الأخير يتم عبر دعامة الكترونية تفتقر إلى قدر كبير من الأمان.
و بناءا على ما سبق سنتطرق في هذا المطلب إلى وسائل حماية المستهلك الإلكتروني مدنيا في مرحلتي ما قبل التعاقد (الفقرة الأولى) و مرحلة تنفيذ العقد (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: حماية المستهلك الإلكتروني في مرحلة ما قبل التعاقد .
إن المستهلك الإلكتروني لم يعد في مركز يسمح له بمعرفة بجميع المعلومات المتعلقة بالشيء محل العقد ، و إنما أصبح في مركز الطرف الأضعف من الضعيف في العلاقات التعاقدية الإلكترونية .
وتعتبر الحماية المدنية من الضمانات الاساسية من أجل انتفاع المستهلك بالخدمة محل التعاقد، و أمام هذه الوضعية عمل المشرع المغربي الى فرض جملة من الالتزامات على المهني حتى يضمن للمستهلك المغربي تعاقدا برضاء حر و سليم من أي لبس أو تدليس من الطرف الآخر .
ومن أهم هذه الالتزامات نجد الالزام بالإعلام، سوف نتطرق لتريفه (أولا) ومضمونه (ثانيا) .
أولا: تعريف الالتزام بالإعلام.
يعتبر الالتزام بالإعلام في الاصطلاح القانوني بكونه التزام يقع على المدين به لتزويد المتعاقد الآخر بكل المعلومات المتعلقة بمحل العقد والكفيلة بتنوير رضاه، وتسهيل تنفيد العقد.
كما عرفه البعض الاخر بأنه :تنبيه أو إعلام طالب التعاقد بمعلومات من شأنها القاء الضوء على واقعة ما أو عنصر ما من عناصر التعاقد، حتى يكون المستهلك على بينة من أمره بحيث يتخذ قراره الذي يراه مناسبا على ضوء حاجته و هدفه من إبرام العقد.
أما فيما يتعلق بالالتزام الإلكتروني فيعرفه البعض بأنه ” التزام قانوني سابق على إبرام العقد الإلكتروني، يلتزم بموجبه أحد الطرفين الذي يملك معلومات جوهرية فيما يخص العقد المزمع إبرامه بتقديمها بوسائط إلكترونية في الوقت المناسب، وبكل شفافية وأمانة للطرف الآخر الذي لا يمكنه العلم بها بوسائله الخاصة” .
و بالرجوع الى القانون 31.08 القاضي بتحديد تدابير لحماية لمستهلك نجد مشرعه لم يعرف لنا معنى الالتزام بالإعلام ، غير أنه اعتبره –من خلال الديباجة- من الحقوق الاساسية التي يروم هذا القانون تطبيقها.
و هكذا خصص المشرع المواد من 3 الى 14 للالتزام بالإعلام ،ليأتي بعدها في المواد29 و 32 و ما يليها عن الالتزام بالإعلام في الجال الالكتروني.

ثانيا:مضمون واجب الإعلام الإلكتروني.

الالتزام بالإعلام الإلكتروني قبل التعاقد هدفه التنوير و التبصير التلقي و ذلك عن طريق إدلاء المورد أو المهني بكافة المعلومات التي على أساسها يستطيع أن يتدبر المتلقي رأيه بالقبول أو الرفض فيما يخص الخدمة الإلكترونية والبيانات المتعلقة بالخدمة و صلاحيتها ومدة استعمالها و الكيفية التي من خلالها تضمن سرية المعلومات و حمايتها من أي اختراق .
و بالرجوع الى المواد3 ،29 ، 32 من قانون 31.08و كدى الفصل 65-4 من القانون المتعلق بالتبادل الالكتروني للمعطيات القانونية، نجدها تطرقت لأهم البيانات الواجب توفرها في الإعلام المقدم للمستهلك كتحديد هوية مقدم الخدمة و عنوانه حيث إن أمهم المشاكل التي تثير قلق المستهلك و قد تحد من إقباله على إبرام عقود الاستهلاك الالكترونية هي عدم معرفة شخصية المورد أو البائع الذي يتعامل معه، لذا يجب عليه تقديم معلومات واضحة للمستهلك نافية للجهالة سواء التي تتعلق بهويته ، اسمه ،محله التجاري، بريده الإلكتروني ووضعها تحت تصرف المستهلك لاطلاع عليها. هذا و قد تناول قانون الاستهلاك الفرنسي و التوجه الأوروبي الصادر في 1997شخصية المزود في سبيل تسهيل معرفة كل هذه البيانات أمام المستهلك الإلكتروني، فقد قام المجلس الوطني للمستهلك الفرنسي بإصدار قرار يقتضي ضرورة وضع تحت تصرف المستهلك كافة المعلومات المتعلقة بالتجار والوسطاء المعروضين على الشبكة وذلك بغية تسهيل المهمة في هذا الصدد بحيث يتيسر على المستهلك الرجوع إلى ذلك السجل قبل الدخول في العلاقة التعاقدية.
كما يجب عليه بيان خصائص الخدمة المعروضة ،لكون هذه الأخيرة تكون غالبا السبب الرئيسي الدافع بالمستهلك الى التعاقد -لإشباع رغباته و حاجاته – ، كذلك يجب أن يكون هذا الإعلام باللغة العربية التي تعتبر اللغة الأم للمستهلك المغربي و مراعاتها يعتبر في حد ذاته شكلا من اشكال الحماية باعتبارها وسيلة مهمة في فهم المستهلك لمحتوى التعاقد الذي يريد أن يقدم عليه، و هذا نص عليه المشرع المغربي 65-4 من القانون المتعلق بالتبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية ، كما نص في المادة 206 من القانون 31.08 على ضرورة ترجمة العقد إلى اللغة العربية . إضافة الى اعلام المستهلك الالكتروني بالشروط الخاصة بالبيع أو بتقديم الخدمة و كدى الاعلام بآجال التسليم …
لكن بالرغم من ذلك فالإعلام في العقود الالكترونية، يجب أن يكون شاملا لكل الجوانب والمعطيات والمعلومات المتعلقة بالخدمة الإلكترونية محل التعاقد، و بالرغم من المعلومات التي نص عليها المشرع إلا أنها غير كافية كونها لا تتضمن كل الجوانب التي ينطوي عليها التعاقد الإلكتروني من الناحية التقنية .

الفقرة الثالثة : الحماية المدنية للمستهلك الالكتروني اثناء تنفيد العقد.

تعتبر مرحلة تنفيد العقد، المرحلة النهائية للتفاوض و تراضي الأطراف على ما تم الاتفاق عليه ، غير أنه و خلافا لمقتضيات الأحكام العامة –العقد شريعة المتعاقدين – يمكن في عقد الاستهلاك الالكتروني أن يتراجع المستهلك عن قبوله دون أن يترتب عليه أي التزام ،على اعتبار حق العدول أو التراجع من ضمانات حماية للمستهلك نظرا لأنه لا تتوفر له الإمكانية الفعلية أو الحقيقية بمعاينة الخدمات أو التحقق منها ، فحق العدول من الوسائل التي لجأ لها المشرع لحماية رضا المستهلك الإلكتروني حيث يتضمن هذا الحق إعطائه فرصة للتروي و التفكير.
وفي سبيل التعرف على مضمون الحق في العدول من منظور حماية المستهلك الإلكتروني لابد من تعيفه (أولا) ، ثم كيفية ممارسته (ثانيا).
أولا: تعريف حق العدول.
يعد حق العدول في العقد الإلكتروني حق إرادي محض يترك تقديره لإرادة المستهلك وفقا للضوابط القانونية، فهو حق يمس بالقوة الملزمة للعقد الإلكتروني، وهو حق شخصي يمارسه المستهلك وفقا لما يراه محققا لمصالحه، فهو ليس ملزما بإبداء أسباب معينة لهذا العدول فاستعماله لا يؤدي إلى قيام مسؤوليته.
و في هذا الاطار تباينت التعريفات عند الفقه حول حق العدول أو خيار الرجوع فعرفه البعض بأنه: بمقتضاه يسمح للمستهلك الإلكتروني بأن يعيد النظر من جديد ومن جانب واحد في الالتزام الذي ارتبط به مسبقا، بحيث يستفيد من مهلة للتفكير من خلالها سيكون بوسعه الرجوع عن التزامه الذي سبق و ارتبط به .
كيا يعرفه جانب آخر من الفقه بأنه” إثبات حق المشتري في إمضاء العقد أو فسخه عند رؤية المبيع محل التعاقد إذا لم يكن رآه عند العقد أو قبله ولم يتلاءم مع احتياجاته .
و بالرجوع الى القانون 31.08 نجد أن المشرع المغربي لم يعرف المقصود من التراجع او العدول و إنما اكتفى بالتنصيص عليه في ديباجة القانون كما نص على الأجل الاصلي في 7 ايام ،وهذه المدة هي مدة مبدئية وتحسب من تاريخ تسلم السلعة أو قبول العرض إذا تعلق الأمر بتقديم الخدمات ،و إذا تضمنت آخر المدة يوم عطلة فإنها تمتد إلى أول يوم عمل على اعتبار الآجال كاملة .

و يمكننا تعريف حق العدول هو تلك المكنة المتاحة للمستهلك بالتراجع عن العقد الذي أبرمه ، كلما تبين له بعد التفكير المجدد فيه و إعادة تقدير نتائجه أن الخدمة التي أنجزها لم تكن في مصلحته، خاصة في العقد المبرم عن بعد.
ثانيا:ممارسة حق التراجع.
لا توجد إجراءات خاصة لممارسة الحق في العدول فالشرط الوحيد هو احترام المدة ، حيث نصت المادة 37 من القانون 31.08 “عند ممارسة حق التراجع يجب على المورد أن يرد إلى المستهلك المبلغ المدفوع كاملا على الفور وعلى أبعد تقدير داخل الخمسة عشر يوما الموالية للتاريخ الذي تمت فيه ممارس الحق المذكور. وبعد انصرام الأجل المذكور، تترتب، بقوة القانون، على المبلغ المستحق فوائد بالسعر القانوني المعمول به”.
اما عن نطاق ممارسة التراجع تطرقت إليه المادة 38 من االقانون 31.08 :” لا يمكن أن يمارس حق التراجع، إلا إذا اتفق الطرفان على خلاف ذلك، في العقود المتعلقة بما يلي:
1.الخدمات التي شرع في تنفيذها بموافقة المستهلك قبل انتهاء أجل السبعة أيام كاملة ؛
2.التزويد بالمنتوجات أو السلع أو الخدمات التي يكون ثمنها أو تعريفتها رهينا بتقلبات أسعار السوق المالية ؛
3.التزويد بالسلع المصنوعة حسب مواصفات المستهلك أو المعدة له خصيصا أو التي لا يمكن بحكم طبيعتها إعادة إرسالها أو تكون معرضة للفساد أو سريعة التلف؛
4.التزويد بتسجيلات سمعية أو بصرية أو برامج معلوماتية عندما يطلع عليها المستهلك ؛
5. التزويد بالجرائد أو الدوريات أو المجلات.
و بالتمعن في الفقرة الرابعة نجد أن المشرع تطرق للخدمات الالكترونية من قبيل البرامج المعلوماتية و التسجيلات السمعية أو البصرية ، و ما يمننا ان نستنجه أنه بمجرد الاطلاع على هذه النوعية من الخدمات يحرم المستهلك من حق التراجع نظرا لطبيعة الخدمة .لكن السؤال الذي يطرح كيف يمكن إثبات المورد ان المستهلك اطلع على تلك الخدمة ؟
و هذا ما يؤكد وعي المشرع المغربي بخصوصيات هذا النوع من الالتزام في المجال الالكتروني ، وكذا مدى أهميته للمستهلك ، لذا نجده يربط تلك المقتضيات المتعلقة بالعقود المبرمة عن بعد بالنظام العام و ذلك من خلال المادة 44 التي تنص على ما يلي: “تعتبر أحكام هذا الباب من النظام العام”.

خاتمة

أثارت عقود الاستهلاك الالكترونية العديد من الاشكاليات القانونية ، ومن ضمنها إشكالية كيفية حماية مستهلك الخدمات الالكترونية في هذه النوعية من العقود التي تتسم بطابعها اللامادي ،وهذا ما يثير قلق متزايد من قبل المستهلكين المغاربة بأن القوانين المعمول بها حاليا و ممارسات الشركات بما يخص خصوصية التعامل عبر الأنترنت لا تفي بمتطلباتهم، و بالتالي مخاوفهم تتزايد و تحد من معاملاتهم الإلكترونية.
ورغم التعديلات المتتابعة للمشرع في القوانين التي تحمي المستهلك بوجه عام، ورغم ما استتبع ذلك ضمن نصوص خاصة أبرزها القانون 31.08، إلا أن ما نص عليه المشرع لا يعدو أن يكون عبارة عن نصوص عامة مثلما تنطبق على المستهلك العام تنطبق على المستهلك الإلكتروني مع بعض الخصوصيات الغير كافية في ظل الوضع الغير الآمن في المعاملات الالكترونية ،لذا يجب على المشرع أن يكرس في تشريعاته حماية متينة للمستهلك تجعله الطرف الأقوى في العلاقة التعاقدية ، من خلال التنصيص على حقوق اضافية و تزكية بعض الحقوق الموجودة كحق الاعلام و التراجع .
• ضرورة مواكبة المشرع للتطورات الحاصلة على مستوى آليات الاستهلاك و تقديم الخدمات الالكترونية في الفضاء الرقمي ،و تعديل و إعادة هيكلة مقتضيات القانون 53.05 المتعلق بالتبادل الالكتروني للمعطيات القانونية بما يوفر حماية انجع مما هو عليه ، و تجاوز الأخطاء الشكلية نتيجة الترجمة الحرفية المعيبة و كذا البثر الذي طال أجزاء بعض النصوص .
• أخيرا فإنه لا بد من العمل على نشر ثقافة التسوق عبر شبكة الإنترنت وتوفیر البنیة التحتیة لذلك، وتحدید حقوق المستهلكين وتوعیتهم من خلال التعاون مع مؤسسات المجتمع المدني وأجهزة حمایة المستهلك، والاستعانة بالمؤسسات والأجهزة المختصة بشؤون التعلیم والإعلام لإصدار النشرات والمطبوعات المتعلقة بذلك، وعقد أوراش وندوات تثقیفیة تهدف إلى إیجاد مستهلك واعٍ ومدرك لخصوصية الآلية التي يتعاقد من خلالها وعالماً بحقوقه التي یتمتع بها.

عبدالإله معداد: طالب باحث بسلك ماستر المعاملات الالكترونية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
assabah

مجانى
عرض