ملف الصباح

2000 مليار في مهب الريح

عقوبات سالبة للحرية حرمت الخزينة من مبالغ ضخمة اختلست من مؤسسات عمومية

في الوقت الذي تتجه فيه السلطات في بلدان متقدمة مثل الولايات المتحدة الأمريكية، إلى ترسيخ الوسائل البديلة لحل المنازعات، واعتماد الصفقات التفاوضية مع ناهبي المال العام والخاص، من أجل استعادة أموال دافعي الضرائب، ما زال المغرب مسترسلا في محاكمات المتورطين في الفساد والرشوة واستغلال النفوذ واختلاس الأموال العمومية، ويقضي عليهم بعقوبات وغرامات مالية، لا ترقى إلى قيمة المبالغ التي سطوا عليها.
وكشفت تقارير عن ضياع ما يناهز 2 % من الناتج الداخلي الإجمالي سنويا، في قضايا فساد ونهب مال عام، ما يعني مبالغ تصل إلى 2000 مليار سنتيم (20 مليار درهم)، بالنظر إلى أن الناتج الداخلي الإجمالي يناهز 1000 مليار درهم، ذلك أن هذه المبالغ لا يتم استعادتها عبر محاكمة المتورطين، إذ تجد طريقها إلى التهريب نحو الخارج، أو التبييض في مشاريع واستثمارات باستغلال هويات أقارب ومعارف.
وتشير التقارير الصادرة عن المجلس الأعلى للحسابات حول بعض المؤسسات والمقاولات العمومية، إلى حجم التجاوزات والاختلالات التدبيرية والمالية، التي تضر بمصالح المواطن وتستنزف المالية العمومية، وتكرس صورة الفساد، خصوصا أن أغلب الملفات المطروحة لا تجد طريقها إلى المحاكم، وحتى بالنسبة إلى الرائجة منها أمام أنظار القضاء، فإن أغلب الأحكام تكون سالبة للحرية، ولا تمكن خزينة الدولة من المبالغ المختلسة.
ويعتبر سمو القوانين رهانا في حد ذاته، ذلك أن تشابك مكونات بنية الاقتصاد، كرس حالات التحايل على القانون، والتهرب الضريبي ونهب المال العام والاختلاس، قاعدة تسود على الاستثناء، والأمثلة على ذلك كثيرة، من خلال المحاكمات الخاصة بناهبي المال العام، خصوصا ملفي القرض العقاري والسياحي والمكتب الوطني للمطارات والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.
ويلخص مفهوم الفساد، كل التصرفات التي يمارسها أصحاب السلطة خارج القانون من أجل تحقيق مكاسب شخصية، في شكل استغلال النفوذ والاختلاسات وتلقي الرشاوي والتصرف في المال العام دون واجب حق. ورغم العديد من المحاولات، فإن الهيآت المكلفة بمراقبة المال العام، مثل المجلس الأعلى للحسابات، والمفتشية العامة للمالية والبرلمان، تكتشف عند كل عمليات مراقبة مظاهر الفساد واختلاسات بالملايير، وغالبا ما تنتهي هذه الملفات دون أن تستخلص الدولة الأموال المنهوبة.
ولا يرتبط الفساد بالرشوة دائما، وإنما بنهب واختلاس المال العام في أحيان كثيرة، ما يسمم مناخ الأعمال، ويطعن في فرص استقطاب مستثمرين أجانب، علما أن المنطق الاقتصادي يشدد على أن الرأسمال جبان، وبالتالي فنهب الأموال العمومية يمثل هامش مخاطر كبير عند الاستثمار في بلد ما، لذلك فإن هوية المستثمرين الأجانب في المغرب، لا تخرج عن فلك الفرنسيين والإسبان والخليجيين، باعتبار ارتباط هؤلاء المستثمرين وعلاقاتهم التاريخية بالمملكة، إذ راكموا  خبرة في التعامل مع الإدارة، ويدركون ميكانيزمات عمل الاقتصاد الوطني.
بدر الدين عتيقي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق