fbpx
مقالات الرأي

شيوب: الشباب المغربي بين شبح الواقع وقوارب الموت‎

إن الهجرة ليست ظاهرةً جديدة، هي قديمة العهد، فالمجتمعات البشرية منذ فجر التاريخ كانت مسرحا لتنقل السكان فيما بينها، غير أن أسباب ورهانات الهجرة تختلف من منطقة جغرافية لأخرى، وأسباب الهجرة عديدة لا يمكن حصرها في سطر أو سطرين أو ثلاث، ولعل أهمّها “الحروب، البطالة، النزعات العرقية، الصراعات السياسية…”

وكإشارة لإغناء الموضوع، إن أقدم الهجرات البشرية كما أشار إلى ذلك بعض الباحثين في تاريخ الهجرة خرجت من جنوب غرب آسيا نحو أوروبا في الغرب، ونحو الأمركيتين في الشرق، ويعود السبب الرئيسي لحدوث هذه الهجرات السكانية التي ساعدت في انتشار الجنس البشري إلى التغيرات المناخية، الذي كانت من نتيجتها تكرار الجفاف الشيء الذي أدى إلى نقص في الغذاء، وهذا ما جعل من سكان الجماعات يتحتم عليهم الانتقال لمنطقة أخرى بحثا عن لقمة عيش.

فالهجرة في هذه الفترة كانت تقام بشكل جماعي وبشكل علني، عكس الهجرة الحالية التي تتخذ مجموعة من الأشكال، ولعل الشكل الذي أصبح موضوع نقاش بين المفكرين وكذلك المسؤولين الكبار في جهاز الدولة هي الهجرة في شكلها السرّي وخاصة ما يسمى في أبجديات المغاربة “لَحريك”. لذلك سنسلط الضوء في مقالنا هذا على الهجرة السرية (الحريكْ) نظرا لانتشار هذه الطريقة عن الطرق الأخرى السرية.

إذن فما هي الهجرة السرية؟ وما هي العوامل الحقيقية التي تقف وراء تفاقم الهجرة السرية في المجتمع المغربي؟ هل العوامل الاقتصادية وحدها هي من تدفع الشباب نحو الهجرة أم أنّ هناك عوامل أخرى؟
هل الفقر وانعدام الاستقرار الاجتماعي والسياسي كأرضية لتأسيس التنمية عامل أساسي في تفشي هذه الظاهرة؟ وما هي انعكاسات هذه الظاهرة على المجتمع المغربي[الصادر] وعلى المهاجرين أنفسهم؟ وما هو التقييم السلبي والإيجابي للمشروع الهجري لدى المهاجر المغربي؟
هل العودة بالنسبة له عنصر مهيكل أم أنه وهم مؤقت؟
تعرف الهجرة السرية بأنها انتقال أفراد أو جماعات من مكان لأخر بطرق مخالفة لقوانين الهجرة الدولية والمحلية، وتعرف الهجرة السرية أيضا عند دولة المهاجر منها بأنها خروج أحد المواطنين من دولته بشكل غير مشروع، سواء كان الخروج من المنافذ غير المشروعة، أو من المنافذ المخصصة للخروج ولكن باستخدام طُرق غير مشروعة تتمثل في الخروج بالتخفي أو استعمال وثيقة سفر مزورة، ومن الناحية القانونية تعرف الهجرة السرية أنها اجتياز حدود البلاد دون الحصول على موافقة السلطات سواء كانت سلطات الدولة المستقبلة أو الدولة الأصل.

يقول عبد الكبير عطوف في تعريفه للهجرة السرية “أن المفهوم الذي ينعت الهجرة بالسرية ليس محايدا، والهجرة السرية هي أيديولوجية سياسية خاطئة،” في الصدد نفسه يطرح التساؤل التالي: مقارنة مع ماذا يمكن أن نتحدث عن السرية؟ وما هو السري؟ المهاجر نفسه أو الهجرة أو المسؤولين عن سياسة الهجرة {دولة الأصل ودولة الاستقبال}.

يمكن اعتبار الهجرة السرية في المغرب هي رهان لانعدام المواطنة وتراجعها، هذا يخلق حالة عدم التوازن النفسي عند الشباب، فعجز الدولة أن توفر ما يجعل المواطن يتشبث بالبقاء في وطنه الشيء الذي يدفع الشباب بالمغامرة في شق غباب البحار في زورق صغير ينعدم فيه الأمان، بحثا عن وطن بديل بشكل مؤقت أو بشكل دائم.

إن الفرد دائما يبحث عن الإحساس بالانتماء لهوية اجتماعية تمنحه ما يحتاجه من اعتراف واحترام، وهذه الهوية الاجتماعية يصعب تحقيقها ضمن هذه الأزمة الاجتماعية والسياسية التي يمر منها المغرب، ولا يمكن تحقيقها في ظل انعدام فرص الشغل وتقليص من نسبة البطالة، إن حالة الإحباط النفسي الناتجة عن مشكل البطالة وانعدام فرص الشغل، والتمثل الاجتماعي المسبق الذي يكون لدى الشباب الكادحين حول البطالة ومشتقاتها يجعلهم يرون أنه لا مفر منها سوى بــ”لحريك”، ليجد لنفسه منفذا للهروب من ذلك التمثل الذي يحتفظ به في داخله، وبطبيعة الحال هذا التمثل لا يأتي عبثا، وإنما هو نتيجة للتجارب المتكررة التي يعيشها الفرد داخل المجتمع وكذلك المعايشة المادية للإنسان في واقعه الاجتماعي، فحالة الواقع الاجتماعي تساهم بشكل مباشر في طغيان هذه الظاهرة.

لا يمكن الحديث عن الهجرة السرية”لحريك” دون استحضار ما تخلفه من انعكاسات مأساوية على البلد الصادر وعلى المهاجرين أنفسهم، فالأفراد المقبلين على الهجرة معظمهم لم يتجاوزوا فترة الشباب، ومثل هؤلاء الأفراد يمثلون شريحة هامة يمكن أن يعتمد عليها المجتمع لتحقيق التنمية، والسير بالبلاد نحو مستقبل أفضل، وبالتالي فعدم الحفاظ على هذه الشريحة ومحاولة استثمارها يشكل عائقا للتنمية، وكذلك يترك المجال لهذه الشريحة للتفكير في البحث عن وطن بديل، فحين يعجز وطن الأم لتحقيق متطلبات الحياة لدى الشباب يجعلهم يلتجئون لهذا السفر الغريب بحث عن وطن أخر، وفي حالة وصول المهاجر للضفة الأخرى التي كان يراها من وطنه فردوسا، لا يسلم المهاجر من المآسي أيضا، حيث يجد نفسه محاطا بتصادمات كثيرة، من خلال شعوره بالاغتراب بعيدا عن وطنه وأهله وذويه، وهذا ما يجعله يفقد شعوره بالاستقرار،وكذلك عدم الشعور بالانتماء والاطمئنان، نظرا لثقافة ذلك البلد التي تختلف بشكل جوهري عن ثقافة وطنه الأم، ويخلق لديه ما يسمى بالتصادم الثقافي، حيث يكون مجبرا على التخلي عن الكثير من العادات والتقاليد والمبادئ من أجل التأقلم والسير قدما مع الحياة الجديدة ويظل المهاجر في حالة صراع مع ثقافة بلد الإقامة من أجل الانفتاح عليها والتكيف معها ليشعر بالانتماء لهذه الجماعة الإنسانية الجديدة ولاكتساب هوية اجتماعية ضمن هذه الجماعة الإنسانية.

رغم ذلك نلاحظ أن الغالبية العظمى من المهاجرين يبدون رضاهم عن هجرتهم، ويعتبرون أنهم بهذا التنقل قد تمكنوا من إنقاذ أنفسهم وعائلاتهم، وهذا الرضا يتكرر بصيغ مختلفة في شهادات وتصريحات يدلو بها معظم المهاجرين، وهذا ما سماه السوسيولوجي الجزائري عبد الملك صياد بالتقييم الإيجابي للمشروع الهجري، ويشير أيضا إلى أن التقييم الإيجابي للهجرة والدفاع عنها لا يعدوا أن يكونا نوعا من التبرير الاجتماعي الذي يظل في آخر المطاف شكلا من الأوهام والأكاذيب الجماعية التي تظل أحد الشروط الأساسية لإعادة إنتاج الهجرة، لأن اعتراف المهاجر بفشل مشروعه الهجري هو اعتراف بعجزه أن يكون”رجلا” صبورا وذا مروءة، أي بعيدا عن دواره وحيه وقريته.

إن فكرة العودة عند المهاجر هي عنصر مهيكل لوضعيته، حيث يبني إستراتجياته على فكرة }”النزوح ــ الوفود”، émigrationــimmigration{
عبد الملك صياد يسمي هذا بالوهم الاجتماعي لدى المهاجر. وعلى سبيل الذكر أدلى الكاتب المغربي الطاهر بنجلون المقيم بباريس في حوار له مع جريدة إلبييس الإسبانية على هامش تقديم كتابه”العودة”:

لقد فكرت في العودة والاستقرار في المغرب بشكل نهائي، غير أنه بعد شهور مضت تبين لي أني غير قادر على مسايرة الإيقاع اليومي للبيروقراطية الإدارية المغربية
إذن ففكرة العودة والاستقرار في وطن الأم هي فكرة مستبعدة جدا عند معظم المهاجرين. نظرا لتأقلمهم في الحياة الجديدة التي غيرت مجرى تفكيرهم ووعيهم، غير أن المهاجر السري المغربي “الحراك” يبني إستراتيجيته أولا على الوصول ثم بعدها العودة، فإشكالية الوصول عند “الحراك” هي إشكالية أعمق وأقوى ، حيث يعرض نفسه أمام ثلاث مواقف، الأول هو النجاة والوصول للضفة الأخرى من البحر، والثاني الموت في أعماق البحار، ثم في الأخير الإمساك به من طرف القوات البحرية وزجه في السجن، فوضعية “الحراك” هنا كوضعية العابر فوق الصراط يرى الجنة في الوصول والنار في البقاء، وبالتالي يلقي نفسه للمجهول في زورق صغير يتحدى فيه الطبيعة ويقاومها من أجل تحقيق مشروعه الهجري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق