fbpx
مقالات الرأي

العبوتي: الغش في الإمتحانات … وسيلة لإعادة إنتاج جيل لا يقرأ

يشير مصطلح الغش إلى الخيانة الأكاديمية، والقانونية، أي القيام بأشياء غير قانونية، وهو محاولة الحصول على مساعدة من شخص آخر بهدف ائتمان العمل، وتحسين تقييم الأداء، وبشكلٍ شامل تتصدى الجامعات للغش ومحاولاته، ولأن مسؤولية الطالب تكمن في القيام بهذه المهام ذاتيا، وعليه فإنَّ الغش فقدان جذري للثقة بين الطالب وزملائه وأساتذته ومحيطه التربوي، وكما عرفه “بكيش”، فالغش هو سلوك يهدف إلى تزييف الواقع لتحقيق كسب غير مشروع مادي أو معنوي أو إرضاء لحاجة نفسية والغش المدرسي هو تزييف نتائج التقويم.

تأسيسا على هذا التعريف المبسط وارتباطه بالشق التربوي فإننا نطرح الإشكالات الآتية: لماذا يلتجئ الطالب إلى الغش؟ وهل حقا هناك زجر للغش؟ وما هي الحلول الممكنة تفعيلها لتجاوز هذه الظاهرة؟ انشعبت ظاهرة الغش في الامتحانات إلى الحد الذي جعلها عادة مألوفة يمارسها السواد الأعظم من الطلبة، ويصنف المتمنعُ عنها في حُكم الشاذ الذي لا يُعترف به، وقد استفحل الأمر إلى التفنن في ابتكار الوسائل والطرق “الحديثة” التي لم تخطر من ذي قبل على بال أحد من العالمين بخباياه، ولأن ما يتكرر يتقرر فقد صارت هذه الآفة جزءا من “الممارسة البيداغوجية”، بل تحولت إلى صاحبة الشأن الأول التي يتبتل الطالب في محرابها الساعات الطوال تفكيرا وتنظيرا وممارسة، حتى وصل إلى درجة الكمال والبلوغ في الاهتداء إلى أنجع السبل وأكثرها تطورا، مسجلا بذلك براءات اختراع مبهرة.

الظاهرة أضحت مستفحلة بالشكل الذي يجعلها غير غريبة ولا حتى الطلبة يشعرون بالنقص وهم يتحدثون عن نيتهم وبإصرار كبير على الغش، فحديثهم عنه قبيل الامتحانات كمثل نقاشهم عن فحوى المحاضرات
ولعل نظرة فضولية إلى طوابير الطلبة المقبلين على محلات النسخ قبيل الامتحانات تظهر بجلاء “حيوية هذه السوق” التي تكيف تجارها مع واقعها، وكونوا أنفسهم ليواكبوا مستجداتها، وينالوا رضا زبنائهم، وكل هذه “الحركية” تجري أمام أنظار الجميع الذين يكتفون بالتفرج السلبي على المشهد الذي إن فكر كبار مخرجي أفلام بوليود في تصوير هذه المشاهد وتحويلها إلى فيلم سينمائي فإنهم ولا شك سوف يبهرون بحجم المشاهدات القياسية التي سيحوزها هذا الفيلم، إن هذه الظاهرة ظلت إلى وقت غير بعيد رهينة ومرتبطة بشكل وثيق بل وأصبحت لازمة للتلاميذ خصوصا في مرحلتي الإعدادي والثانوي لتستفحل بعد ذاك لتصير فرض عين واجب على جميع المتعلمين، فأضحت إحدى المواد المدروسة خارج أسوار الجامعة، ولا تحتاج إلى مجهود فكري بقدر ما تحتاج إلى ذكاء، لو أنه استغل في الفهم والحفظ لكانت النتيجة مثيلة للذي يجتاز الاختبار من مجهوده الفكري وإن اغتر الطالب “الغاش” بالنقطة المحصل عليها واعتقاده أنه حقق بذاك النصر العظيم، لكنه لا يدري أن نقطته مجرد سراب سيزول.

إن الانتشار الواسع لهذه الظاهرة التربوية المشينة أكسبها شرعية، إذ أن غالبية الطلبة لا يشعرون بالإثم مما يقترفونه وإنما يؤكدون أن لولا “الغش” لما كان باستطاعتهم تحقيق النجاح. أمام هذا الإشكال، فقد كان لزاما أن نعالج الظاهرة من داخلها فمهما كان اقتصار التنظير للأخيرة دون الغوص في الأعماق وسبر غورها تبقى كلها دراسات فرضية لا أساس لها من المصداقية، هنا يتحتم علينا التعامل مع الظاهرة كباحثين سوسيولوجين متسلحين بالمناهج الكمية والكيفية علنا نميط اللثام عن الأسباب والدواعي التي تدفع الطلبة إلى الغش في الامتحانات الأكاديمية.

إن الظاهرة أضحت مستفحلة بالشكل الذي يجعلها غير غريبة ولا حتى الطلبة يشعرون بالنقص وهم يتحدثون عن نيتهم وبإصرار كبير على الغش، فحديثهم عنه قبيل الامتحانات كمثل نقاشهم عن فحوى المحاضرات. نختارُ عينة مكونة من عشرين طالبا في مسلك جامعي يدرسون من داخل كلية الآداب ويتابعون دراستهم في ذات التخصص باختلاف جنسهم وأعمارهم، هؤلاء الطلبة على موعد مع امتحانات الدورة الخريفية في تخصصهم، ويفصلهم عن الاختبارات أسبوع كامل، خمس طلاب يقصدون مكاتب النسخ لغرض جلب “تصغيرات” لملخصات المواد التي تكون متاحة عند غالبية مكاتب النسخ، أرباب هذه المكاتب يؤكدون أن الحركية التي تشهدها المكاتب أسابع قبل موعد الامتحانات لا تشهده مكتباتهم في الأيام العادية، ويؤكدون أيضا ما إن تعرضوا للانتقاد على تقديمهم لهذه الخدمة أن تعاملهم مع الطلبة تبقى مسألة تجارية وأن التصغير عملية نسخية كغيرها من الخدمات الأخرى، هؤلاء الطلبة لا يشعرون بارتباك وهم يطالبون بتصغيرات كل مواد الفصل، مع الحرص الشديد على أن تكون مصغرة إلى الحد الذي يجعلها ممكنة الاستفادة منها.

أما بقية الطلاب فيفضلون الاستعانة بالهواتف الذكية، إذْ يتفقون مسبقا مع طلبة من ذات التخصص وبمستوى أكبر منهم، يلتقطون بادئ الأمر صورا لورقة الامتحان فور أن تسلم من طرف المراقبين أو يتلوون بصوت هامس السؤال الذي عادة لا يأخذُ من وقتهم سوى دقيقة واحدة، ثم بعد نصف ساعة يحررون إجابتهم بأريحية وهم يتصنعون التفكير في أي لحظة شعروا بقرب المراقبين منهم، وتبقى هذه الطريقة الأنجع والأسهل والتي تكون مناسبة للطالبات أكثر من الطلبة، كونهن يمتلكن امتياز لبس الحجاب الذي يخفي أداة الغش ويصعب على المراقبين ضبطهن في حالة تلبس.

ممارسة الطالب لسلوك الغش في الاختبارات لا يعد مظهرا من مظاهر عدم الشعور بالمسؤولية وحسب بل إفسادا لعملية القياس وبالتالي عدم تحقيق أهداف التقويم في مجال التحصيل الدراسي
ما الداعي إلى الغش إذا؟ العينة قيد الدراسة تختلف في دافع لجؤها إلى الغش لكنها في كثير من محاولات دفاعها عن الغش تتشابه، فبعضهم يؤكدون أن عدم وجود تكافؤ للفرص بين الطلبة يفضي دون أدنى تفكير أو تردد إلى الغش بل وإيمانهم كبير بأن لا محيد عن الغش لخلق ذاك العدل بين جميع الطلبة، فتساهل مراقبين مع طلبة في مدرج وتشديد المراقبة في مقابل ذلك مع مئات الطلبة في مدرج اخر يصب في نتيجة واحدة، إخفاقهم ونجاح الآخرين، في جيهٍ آخر يؤكد طلبة آخرون أن كثرة المحاضرات وتراكمها والوقت الفاصل بين مادة ومادة يُصعب من فهم واستوعاب المواد جميعها، الأمر الذي يؤدي بهم إلى التفكير في الغش، وان اقتصر ذلك على مواد دون أخرى، بحيث يستعدون في ثلاث مواد ويغشون في ثلاث مواد، أي يقسمون المواد إلى قسمين، قسم من المواد يحررون إجاباتهم من مجهود ذاتي، وقسم أيضا ذاتي- يؤكد- الطلبة مادام أنهم يجهدون أنفسهم في ابتكار طرق جديدة كوسائل ناجعة في تحرير اختباراتهم.

أمام هذا الآفة التربوية، هل هناك حقا زجر للغش في الامتحانات؟ في شعارها الذي يولد قبيل ومع كل فترات الامتحانات: “لا للغش في الامتحانات”، وما يليه من تنبيهات باتخاذ كافة التدابير الزجرية في حق من ضبط متلبسا في حالة غش، تسعى جل المكونات العاملة في الكلية إلى الحد من هذه الظاهرة عبر تسخير كل مكوناتها البشرية من أجل أن تمر الامتحانات في أحسن الأحوال، وخلق جو ملائم يسوده التكافؤ بين كافة الطلبة، إلا أنه في كثير من الأحيان تكون هناك جملة من التساهلات نتاج الاختلاف والتباين في طريقة تعامل المراقبين مع الطلبة، ولعل الاستعانة ببعض المراقبين من الطلبة الذين تنقصهم التجربة في التعامل مع سير الامتحان يجعل من عملية الزجر هاته لا تسلكُ طريقها الصحيح، ما يجعل هذه الجرثومة تنخر الجسد الأكاديمي حتى اللحظة وبات من الضروري استئصالها، فالتساهل أو غض الطرف عن هذه العملية يساهم في انتشار الظاهرة لتصبح عرفا طلابيا، بل أنه من غير المستبعد أن ترفع لافتة طلابية في المستقبل مكتوب فيها بخط عريض “من لمْ يغشنا فليسَ منا”.

أمام هذه الصعوبات التي تصاحب عملية الزجر، ما هي الحلول الممكنة تفعيلها للحد من الظاهرة أو على الأقل التقليل منها؟ يمكن التقليل من هذه الظاهرة وذلك باتخاذ بعض الاجراءات كــ:
– تقليل المتطلبات التي يكلف بها الطلبة أثناء الامتحانات، كالتقيد بطريقة معينة من الإجابة، التقيد كذلك بعدد الصفحات، ضرورة الإجابة بمثيل فحوى المحاضرات.
– الاحتفاظ بفاصل زمني بين مواد الاختبار ليومين على الأقل ، فهذا أدعى لتمكين الطالب من التركيز والاستعداد للاختبار.
– ضرورة المزاوجة بين الأسئلة الموضوعية والأسئلة المقالية في الاختبار، وذلك لأن الأسئلة المقالية تتيح للطالب عرض ما استوعبه من المادة، أما الثانية فإنها قد تحصره في جزئية بسيطة، وبشكل يضيق على الطالب فرصة التعبير عما حصله من المادة.

عموما إن ممارسة الطالب لسلوك الغش في الاختبارات لا يعد مظهرا من مظاهر عدم الشعور بالمسؤولية وحسب بل إفسادا لعملية القياس وبالتالي عدم تحقيق أهداف التقويم في مجال التحصيل الدراسي، وخطورة الغش في الامتحانات لا تكمن في الجوانب المدرسية فقط كما يرى بعض الباحثين مثل سنتيرا بل قد يتعداها من وجهة نظرهم إلى جوانب حياتية أخرى غير هذه الجوانب المدرسية حيث إن أولئك الذين يتعودون على عمليات الغش ويمارسون هذا السلوك طوال حياتهم التعليمية يخشى أن تتكون لديهم عادة الغش والتزييف في كثير من جوانب حياتهم العملية بعد تخرجهم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق