خاص

اللذة والألم … العالم الخفي للسادومازوشية

حصص وجلسات سرية للممارسات الجنسية الشاذة والمحظورة أبطالها زبناء من نوع خاص

“كلب البنات”، “لالة الكلاب”، “عاشق العذاب”، “كلب لالة مولاتي”، وغيرها من الأسماء المستعارة والحسابات الوهمية على مواقع التواصل الاجتماعي، التي يقبع وراءها مغاربة من مختلف مدن المملكة، يجمعهم وجهان لعملة “السادومازوشية”، وتميزهم علاقتهم الخاصة بالألم والمعاناة، بين من يستلذ بتعذيب الآخر وإذلاله، ومن يعشق الاستعباد والأذى النفسي والجسدي، شكلا من أشكال المتعة الجنسية.

في رحلة البحث عن هذا النوع من العلاقات الرضائية، ينشد كل طرف ضالته في مجموعات افتراضية مغلقة تضم آلاف الأعضاء، ومواقع إلكترونية خاصة بالساديين والمازوشيين، نساء ورجالا، يتعرفون فيها على بعضهم ويرتبون مواعد لنسج علاقات جادة، أو تقديم حصص خاصة وجلسات سرية، مدفوعة الثمن. “الصباح” اخترقت الأبواب المغلقة لعالم “السادومازوشية”، كي تنقل واقع المغامرات الجنسية المحظورة، والحيثيات الخفية لهذه الظاهرة، باعتماد شهادات معنيين وآراء خبراء ومختصين.

ساهم التطور التكنولوجي في انتشار العديد من الممارسات والعلاقات الشاذة، تحت عنوان “التحرر الجنسي المطلق”، أو ممارسة الجنس دون أي قيود دينية أو أخلاقية، كما هو الحال بالنسبة إلى بعض الدول الغربية، التي سوقت لأفكارها المتحررة عبر الأنترنت والمواقع الإباحية، وأضحى العديد من الشباب في الأوساط العربية يحذون حذوها، ساعين إلى تحرير رغباتهم الدفينة، وتقليد ما يرونه في تلك الأفلام الجنسية البعيدة عن الواقع.

مملكة افتراضية

في المقابل، ظهرت بعض النسخ المغربية الخاصة بالمنحرفين جنسيا، في هيأة مواقع إلكترونية تبث محتويات للجنس العنيف، أو الجنس “السادي” و”المازوشي”، وتقوم بنشر ثقافة “السادومازوشية”، وتخصيص “غرف سرية” للأعضاء الباحثين عن مختلف اللذات الدامية، إلى جانب صفحات فيسبوكية، ومجموعات مغلقة على مواقع التواصل الاجتماعي، تضم آلاف الأعضاء المعبرين عن رغباتهم، بمنشورات يندى لها الجبين.

وتختلف التسميات على هذه الصفحات، بين من يعتبرون أنفسهم “سادة” ومن يفضلون مناداتهم بالـ”خدم”، فتنفرد النساء الساديات بألقاب من قبيل “الملكة أو السلطانة فلانة”، و”لالة فلانة”، و”المستريس فلانة”، أو”الماستر فلان” حينما يتعلق الأمر بالرجال المسيطرين، في حين يميز المازوشيون أنفسهم، بألقاب مهينة، كـ”الكلب فلان أو الكلبة فلانة”، و”سومي” أو”سوميز”، باللغة الفرنسية، مع إشارة بعضهم إلى ارتباطه وولائه للشريك المسيطر، من خلال تسميات كـ”خدام الملكة فلانة” أو “كلب لالة فلانـــــــــــــة”.

اضطرابات مرضية

يعرف الدكتور جواد مبروكي، طبيب ومحلل نفساني، “السادية” على أنها الحالة التي يستمتع فيها الشخص بإلحاق الأذى النفسي أو البدني، أو الجنسي بالآخر، بينما تتجسد “المازوشية” أو “المازوخية” في الحالة التي يتلذذ فيها الشخص بالألم الواقع عليه والتعذيب الذي يتلقاه، وكلاهما انحراف جنسي مرضي يصير فيهما الشخص مدمنا على نمط سلوكي معين.

ويميز مبروكي بين أنواع “المازوشية” وتجلياتها المتعددة، منها الجنسية، التي تستلزم الشعور بالألم الجسدي (كالضرب)، أو الإهانة (كالسب والشتم) أثناء العملية الجنسية، للوصول إلى المتعة، ويختار الفرد “المازوشي” فيها الشريك الذي يتسم بالعنف الجسدي، واللفظي، أو يطلب من شريكه أن يقوم بضربه وإهانته أثناء ممارسة الجنس، و”المازوشية” المعنوية التي لا علاقة لها بالجنس، بل بالحالة النفسية للشخص، الذي لا يستطيع الشعور بوجدانه إلا إذا أهين وتلقى الألم، ثم “المازوشية العاطفية”، التي يحرص فيها الشخص على انتقاد ذاته، وتأنيب نفسه باستمرار مع الإحساس بالشفقة وتكرار عبارات مثل “أنا ماعندي زهر، ماعندي قيمة، أو واخا أنا مزيان مع كلشي، الناس ماكيحملونيش وماكانعجبهومش”، ثم رفض المساعدة من الغير، إذ يعبر الشخص عن القلق إذا حاول أحدهم مساعدته أو مد يد العون له، أما”المازوشية الذهنية” فهي الحالة التي ينعزل فيها الشخص عن كل ما فيه متعة في الحياة، وينغلق على نفسه بعيدا عن الملذات، فينشغل هذا النوع من الأشخاص عادة بالعبادة والتنسك، أو يحرم نفسه من الزواج و الخروج للحياة العامة.

وفي السياق ذاته، يعتبر مبروكي أن “كل مازوشي ساد في الأصل، فـ”السادية” و”المازوشية” وجهان لعملة واحدة، نسبة للعلاقة الوثيقة بين لذة ارتكاب الشر وتلقيه، فالشخص الذي يشعر باللذة عند تعذيب الآخر، يستطيع بدوره التمتع بالألم الذي يتلقاه، ذلك أن النشوة التي يحصل عليها بإنزاله الآلام بالآخرين، هي وليدة تجربة شخصية، جعلته ينسج علاقة بين اللذة والألم، حينما وقع عليه هو بالذات، وانطلاقا من هذه الفكرة الأساسية نجد أن أنواع المازوشية وتجلياتها، هي ذاتها بالنسبة إلى السادية، مع اختلاف الأدوار.

تجربة حية

لم أجد سبيلا لاقتحام عالم “السادومازوشية” وتجمعاته المغلقة، سوى تقمص دور أحد شخوص لعبة الخضوع والسيطرة، وإنشاء حساب وهمي “ميستريس” مبتدئة، أي فتاة سادية، ثم الولوج لتجمعاتهم الافتراضية المغلقة، وتحديد موعد، بصعوبة، مع أحد المازوشيين، الذي اتضح من خلال منشوراته أنه يبحث عن فتاة سادية ” تمسح به الأرض وتجعله كلبا تحت رجليها”، فارتديت سروالا جلديا ومعطفا طويلا، مع حذاء أسود ذي كعب عال، ثم ربطت شعري بطريقة توحي بالصرامة وتسلحت بمعجم من عبارات النهر والزجر والاحتقار لأحبك دوري ويقتنع بـ”ساديتي”، فنستشف منه تفاصيل عالم غريب يدور في عمق المجتمع المغربي.

انتظرت بالمقهى زهاء عشرين دقيقة، مرتقبة قدوم شخص لا أعرف عنه شيئا سوى ميولاته الشاذة، واسمه المستعار على فيسبوك، المرفق بكلمة “سومي”، أي مازوشي، لألمح شابا وسيما، بهي الطلعة، يدخل متفحصا جموع الجالسين في الفضاء الداخلي للمقهى، ثم يرمقني بلمحة وحيدة خاطفة، ويتوجه نحوي بناظرين لم يفارقا موضع قدميه.

توقف عند الطاولة التي أجلس إليها واستأذن بالجلوس، قائلا “سمحي ليا ألالة، لقد كان الطريق مزدحما ولم أجد مكانا لأركن فيه السيارة”، فدهشت لمظهره الرجولي غير المتوقع ونبرته الخشنة، لكنني أخفيت تعجبي، وأجبته بنبرة غاضبة ” أنا أكره الانتظار، وهذا لا يبشر بالخير في أول لقاء بيننا.. يظهر لي أنك لا تعرف قيمة الملكة التي تجلس إلى جانبها، ولا حاجة لي بكلب مثلك، فالعروض وفيرة وكذلك الكلاب التي تحلم بخدمتي”، فارتعدت فرائصه وأردف بنبرة متوترة ” أعدك سيدتي أن هذا لن يتكرر، أنت فعلا كما تخيلتك ويشرفني أن تجعليني خادما لك .. هل تسمحين لي بابتياع حذاء جديد لك، كهذا الذي ترتدينه، تعبيرا عن أسفي؟”.

أجبته باستهزاء مصطنع “لدي أذواق استثنائية، تستلزم وقتا للتسوق، وكثيرا من المال”، فأخبرني أن لا مانع لديه وأنه مستعد لإنفاق كل ثروته لتدليل ملكته، فدعوته للحديث عن شروط وقواعد “علاقتنا”، لوضع النقط على الحروف، وطلب مني الإذن لتدخين سيجارة من فرط حماسه، فرفضت، ورضخ لأمري مستحسنا رفضي لذلك.

ميولات غريبة

بعد محادثة تعارف موجزة، أفضى لي فيها الشاب الأعزب ذو 28 سنة، باسمه الحقيقي، ومهنته كمهندس كهربائي، أشرت إليه بالتعبير عن رغباته المدفونة، وعما يتطلع إليه من “ملكته المقدسة”، فأجاب “أرغب في فتاة قوية مسيطرة، وقاسية، تسبني وتشتمني باستمرار.. تعاملني كالحشرة، وتعاقبني عن كل خطأ أقوم به، كأن تبصق على وجهي أو تصفعني في الشارع، أمام الناس.. أو تأمرني إذا ما تأخرت في الرد على الهاتف بتعذيب نفسي بالضرب أمامها على الكاميرا، أو إدخال شيء ما في دبري وتصوير ذلك لها.. ولحس أصابع رجليها وحذائها، ثم اغتصابها لي وضربها لجسدي وتعذيبي بشتى أنواع الطرق إذا ما تسنت لنا الفرصة أن نكون معا في خلوة.. ثم خدمتها بالمقابل، والقيام بالأعمال المنزلية، إذا انتقلنا للعيش معا، وتوفير كل ما ترغب به وتشتهيه مهما كلف ثمنه، مع الإغداق عليها بالهدايا.. شريطة أن تكون جادة في علاقتنا وأن أكون كلبها الوحيد.. وأظن بأنك ستكونين مولاتي المعظمة، التي لطالما حلمت بها”.

لقد كان من المفروض أن يثيرني حديثه، باعتباري “ميسترس تجري السادية في عروقي”، فأخبرته أنني متفائلة بذلك، وأن رغباته توافق تطلعاتي، فابتهج بشكل غريب لسماع ذلك، وأخذ يلعب برجليه كالكلب حين يهز ذيله تعبيرا عن فرحه.

ونظرا لاقتران هذه الميولات الشاذة بحادث في الطفولة، سألته عن طفولته فأجابني “لا علاقة للأمر بطفولتي .. أنا هاكدا”. مشيرا إلى أنه أمضى طفولة سعيدة، لا تشوبها شائبة، واكتشف في سن مبكرة ميوله المازوشي هذا، وكانت البداية بولعه وحبه لأقدام وأحذية النساء، فقد كان يلعق خفية أحذية صديقات أمه، حين يأتين لزيارتها، ويطلق العنان لتخيلاته الجنسية بناء على حبه لأقدام النساء، فكان يتخيل صديقة أمه وهي تمشي على جسده حافية، أو تخنقه بقدميها وتضغط بها على عنقه منتعلة حذاءها، وهكذا …

كلنا منحرفون

يميز الدكتور جواد مبروكي، خبير في التحليل النفسي للمجتمع المغربي والعربي، بين مظاهر الانحراف الجنسي، الذي يستلزم ممارسات غير طبيعية للحصول على المتعة الجنسية، ويعتبر مرضا، كما هو الحال بالنسبة إلى السادومازوشيين، الذين يفقدون القدرة على الوصول للمتعة عن طريق العلاقات الجنسية الطبيعية، بل يقيدون بطرق وسلوكات معينة قد تكون خارجة عن المألوف، وبين الخيال الجنسي، الذي يملكه كل إنسان ويستحضره عند القيام بممارسات جنسية مختلفة كي يزيد من حدة المتعة، مرورا من خيال جنسي إلى آخر، مع الحفاظ على القدرة الطبيعية على ممارسة الجنس دون انحراف أو خيالات، ويضيف قائلا “كلنا منحرفون جنسيا، لكن انحرافنا الجنسي يبقى نائما ويتمثل في خيالنا فقط، فنسعى لتحقيقه برضا وموافقة الطرف الآخر، الذي يملك بدوره خيالات جنسية خاصة به، ويسعى إلى تحقيقها”.

ويشير إلى أن “العلاقات المغربية، بصفة عامة، سواء في العمل، أو الشارع، أو داخل الإدارات، أو بين الأبناء وآبائهم، أو في المدرسة، أو بين الأزواج، مبنية على “السادومازوشية المقنعة”، حيث نجد دائما طرفا ساديا وآخر مازوشيا، خاصة على مستوى العلاقات بين الذكور والإناث، التي تطغى عليها السيطرة السلطوية، وتجعلها مبنية على القهر و الخضوع لمالك زمام القوة، ما ينتج حالة من عدم الرضا الدائم والمستمر على الأحوال، هذا سلوك شائع لدى المغاربة، حيث يرون أنفسهم دائما في وضع “الضحية” ولا يشعرون بوجودهم إلا حين الشكوى للآخر، من الظلم الخاضعين له”.

وفي السياق ذاته، يحيلنا الدكتور على طبيعة العلاقات الزوجية في مجتمعنا، حيث يعتبر كل من الزوج والزوجة نفسه “الضحية”، فنجد الزوجة مثلا تشتكي من معاملة زوجها لها، أومن بخله المادي (مكرفص عليا)، بينما يشكو الزوج من معاملتها، ويتهمها بالتقصير العاطفي والجنسي، ناهيك عن الحاجة الملحة إلى العنف اللفظي بين الرجل والمرأة، وكثرة النزاعات والصراعات الزوجية التي يتم حلها على الفراش، وتندثر بعد ممارستهما للجنس وشعورهما بالمتعة المؤقتة، في إطار ما يسمى بدورة “عنف – نزاع – جنس”.

عوامل حاسمة

يلخص الدكتور جواد مبروكي العوامل المسببة لمرض السادية أو المازوشية، ودوافعهما لدى الأشخاص المصابين في ما يلي:

1- التعرض لاعتداءات أو تحرشات، مع غياب التربية الجنسية، كما هو الحال بالنسبة إلى ثقافتنا المغربية، حيث يكتم الطفل الأمر خوفا من المجرم أو من عقاب الأبوين، معتبرا نفسه مذنبا في ما حدث له، فينمو بداخله شعور الألم والعذاب المقترن بلاوعيه، ويصير من الضروري استحضارهما، حين العلاقة الجنسية للوصول إلى المتعة، عند بلوغه سنا معينة أو ولوجه عالم الزوجية، وكأن الطفلة أو الطفل الذي كبر، ينتقم من نفسه بطريقة لا واعية عن “الذنب” الذي ارتكبه في صغره، عندما كان ضحية للاعتداء الجنسي.

2- التعرض للعنف التربوي والديني، سواء كان جسديا أو معنويا، كالإهانة أثناء الطفولة، وحرمان الطفلة من حرية اللباس، أو فرض الحجاب عليها من قبل أخيها أو أبيها مثلا، اللذين يقرران أي نوع من الملابس ترتدي وأي الأصدقاء ترافق، فتصير الفتاة ضحية للقهر الذكوري، إلى جانب التوظيف الخاطئ للدين، الذي يجعل من جسد المرأة عورة، ويسلبها بذلك الحق في السيادة عليه، فتشعر بالإهانة وتعيش ضحية لهذا الشعور طيلة حياتها، ما يجعلها تبحث عن الإهانة بشكل لا واع أثناء علاقاتها الجنسية، حينما تكبر وتنضج، شرطا أساسيا للسماح لنفسها بالشعور بالمتعة واللذة.

3- ضرب الطفل أو المراهق بسبب العادة السرية، حيث يشعر الناشئ بارتكابه ذنبا كبيرا عند تعرضه للضرب بسبب ممارسته لهذه العادة، ويترسخ لديه هذا الشعور في مخزون لاوعيه، ليتحول في مراحل عمرية متقدمة، إلى دافع خفي ورغبة في الحصول على العقاب أثناء ممارسة الجنس، ودفع ثمن الذنب عن العلاقة الجنسية التي قام بها، ولو كانت شرعية، حتى يتمكن من الوصول إلى المتعة المنشودة.

يسرى عويفي (صحافية متدربة)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق