fbpx
افتتاحية

تجريف المستنقعات

الإرهاب جرثومة خبيثة تولد وتتربى وتتغذى في مستنقعات التطرف والتحريض والحقد والتعصب والكراهية، وتقتات من غسل الأدمغة بالتأويلات “الدموية” للتراث الديني، وقطعُ دابره يعني تجريف هذه البيئات الآسنة، وتنقيتها إلى غير رجعة.
فرغم الصدمة التي خلفها الإجهاز على سائحتين أوربيتين بإمليل، بطريقة وحشية، وقطع رأسيهما والتمثيل بهما، فإن المطلوب تجاوز الجميع هذه المرحلة الصعبة، والانكباب على الأساسي، أي الانخراط، مجددا، في نقاش وطني صريح وحاسم، هذه المرة، ينطلق من طرح سؤالين أساسيين: من يحمي التطرف والإرهاب بالمغرب؟ ومن يوفر له التربة للعيش والاستمرار وارتكاب الفظاعات؟
لقد اعتقدنا جميعا أن ما أنجز منذ 16 ماي 2003، كان كافيا، خصوصا في ما يتعلق بإصلاح الحقل الديني والتركيز على الهوية الدينية المغربية، وضبط الخطاب الديني على إيقاع موحد، قبل أن يتبين أن هناك “أعشاشا” أخرى لتصريف خطاب مختلف غارق في الغلو والتطرف، “يديرها” شيوخ وأئمة وفقهاء ودعاة يؤمنون بدولة الخلافة وفصل الرؤوس، وشريعة قطع الأيدي والأرجل، وبعض هؤلاء يحملون “تزكيات” من أحزاب ومؤسسات “شرعية” تدافع عنهم، وتوفر لهم الغطاء المناسب في الوقت المناسب.
إن استمرار هذا الخطاب الديني “المزدوج” والتسامح مع شيوخه ومنتجيه ومؤيديه، يعني وضع البلد على فوهة بركان، كما حصل الأسبوع الجاري، وكما قد يحصل مستقبلا، في وجود “مخدرين” ومشاريع “قتلة” ومجرمين، مستعدين لحرق الأرض ومن عليها، من أجل الظفر بعشرات الحوريات في الجنة!!
مؤكد أن التطرف لا يتوقف عند النص الديني والتأويل الدموي للتراث وفصل آيات القتل والسفك والسبي والتكفير عن سياقاتها التاريخية وتقديمها حجة وسندا للأفعال الإجرامية، بل يتجاوزها إلى ترسانة بيداغوجية أخرى في التعليم والتربية وداخل الأسر والمقررات والمناهج وساحات الجامعات والمدارس وصفحات الإعلام وتقنيات التواصل الحديثة، التي تروج للعنف واللاتسامح مع الرأي الآخر واللباس والسلوك والقناعات الشخصية المختلفة (حالات الاعتداء على مثليين ومفطرين في رمضان وفتيات صغيرات بلباس “غير لائق”).
فهذه التمثلات العنيفة للقيم والمجتمع والدين والآخر، تشكل تربة خصبة لنمو الطحالب، التي تتطور إلى أفكار ومشاريع “تنفيذ”، يجب التصدي لها في المهد وتجفيفها من المنابع، ما يمنح للمواجهة إمكانيات النجاعة.
في المستوى نفسه من التحليل، لا ينبغي أن يغيب عن تفكيرنا أن ما يواجهه المغرب، وغيره من بلدان العالم، لا يمكن حصره في عوامل داخلية، بل له امتدادات وارتباطات خارجية معقدة وعمليات تأثير عن بعد تساعد وسائط التواصل الاجتماعي وشبكات الأنترنيت على تأصيل فكره وانتشاره وترسيخه.
وبالتالي، لا يمكن أن نرى الحرب إلا بجبهتين:
– داخلية، تتصدى إلى تجريف المستنقعات وتدمير البيئات المنتجة للحقد والكراهية والتعصب والتطرف، مهما كان الثمن.
– خارجية، لمواجهة مخطط إستراتيجي دموي عالمي، وراءه جيوش وضباط ورجال مخابرات ومراكز للرصد وجمع المعلومات ووضع الخطط والعمليات على نحو ذكي وموجه، لإحداث أقصى أنواع الدمار والفوضى في العالم، والتهييء للسيطرة عليه.
إن الحرب بالكاد انطلقت…
فإما أن نكون على أهبة الاستعداد لخوضها والانتصار فيها، أو انتظار الكارثة لا قدر الله.
فلنا الخيار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى