< د. خالد الحري بعد أكثر من خمسة أسابيع من الإضرابات والاحتجاجات والتوقف الشامل عن العمل وعن تقديم الخدمات المهنية بمختلف محاكم المملكة، ينبغي أن نقول إن الوقت حان لتغليب صوت الحكمة والعقل وترجيح المصلحة العليا للوطن، من قبل جميع الأطراف المعنية بهذا الملف دون استثناء. نقدر مواقف المحامين والمحاميات ومنسوب الغضب الذي يشعرون به للأسباب التي فصلوا فيها في عدد من البلاغات والمقالات والمرافعات القانونية والرسائل الموجهة للرأي العام الوطني، لكن نتفق، جميعا، أيضا أن الاحتجاجات والإضرابات والتوقف عن العمل وسائل للضغط وأدوات لتحقيق المطالب، يكون مصيرها التوقف حالما يكون هناك مستجد. والمستجد الأهم في معركة مشروع القانون رقم 66.23، المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، هو إحالته من قبل رئيس مجلس النواب على المحكمة الدستورية للبت في مدى مطابقته لأحكام الدستور، بعد أن استكمل، سابقا، مساره التشريعي. صحيح أن المشروع، منذ انطلاقه، أفرز أزمة ثقة، أو حتى الإساءة المباشرة للمهنة ومؤسساتها ورسالتها، من خلال فرض الأمر الواقع بمقتضيات ماسة بالاستقلالية والحصانة والتنظيم الذاتي، لكن التطور الآن يميل في اتجاه ترميم بعض الأخطاء وتجفيف منابع التوتر والعودة إلى الأصل الذي تصان فيه حقوق الجميع، سواء المهنيين، أو الدولة، أو المرتفقين. الرسالة وصلت، والمشروع الآن بيد المحكمة الدستورية، التي ستقرر في شأنه قبل إعادته من جديد إلى مسطرة التشريع، وهي فرصة للتأمل في الوضع الحالي الذي طال أمده، ولم يعد مجرد خلاف مهني أو تشريعي بسيط، بل تحول إلى أزمة مركبة ومفتوحة ترخي بظلالها الثقيلة على السير العادي للمحاكم، وتعطل المرفق العام القضائي بشكل غير مسبوق. وفي المحصلة، فإن المجتمع بأسره والدولة والمرتفقين والمتقاضين، الذين تنتظر قضاياهم ومصالحهم الحيوية الحسم، بل حتى المحامين أنفسهم الذين تتراكم عليهم الأعباء ومصاريف المكاتب والأجراء، يدفعون جميعا ثمنا باهظا وكلفة اجتماعية وحقوقية واقتصادية لا تطاق لهذا الجمود الذي لا يخدم مصلحة أي أحد على الإطلاق. أمام هذا المشهد القاتم، تبرز الحاجة الملحة اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، إلى التسلح بفضيلتي الحكمة والعقل، والقطع مع لغة التصعيد والآذان الصماء، كما أن تجاوز هذه الوضعية يفرض على جميع الأطراف المعنية التحلي بالتواضع والمسؤولية الوطنية، والجلوس الفوري إلى طاولة حوار تفاوضي حقيقي، مبني على قاعدة الإنصات المتبادل والإنصاف. فالهدف الأسمى لا ينبغي أن يكون انتصار طرف على آخر، بل إنتاج نصوص تشريعية وقانونية متوازنة، تحمي استقلالية أصحاب البذلة السوداء وضمانات الدفاع وتحصين المهنة، وفي الوقت نفسه تضمن نجاعة القضاء وحقوق المواطنين والموكلين. وما يمنح هذه التهدئة مشروعية أكبر في الوقت الراهن، هو أن الفصول والمواد المعنية بالخلاف أصبحت اليوم معروضة على أنظار المحكمة الدستورية، وهي وضعية تصبح فيها يد الحكومة مغلولة حتى في وجود رغبة في التفاوض مع المهنيين. إن إرساء شروط التهدئة والسلم، في انتظار ما ستؤول إليه قرارات القضاء الدستوري، هو الكفيل وحده بإعادة قطار العدالة إلى سكته الصحيحة، وصيانة ثقة المواطن في نجاعة وإنصاف منظومة العدالة ببلادنا. وليس العكس.