< د. خالد الحري أصعب ما يواجهه الصحافي ليس أن يخطئ في معلومة، فالمعلومة يمكن تصحيحها، بل أن يساء فهم نيته، فالكلمات، مهما بلغت دقتها، لا تصل دائما إلى القارئ بالطريقة التي خرجت بها من قلب كاتبها. وبين ما يقصده الكاتب وما يلتقطه القارئ، قد تنشأ مسافة يصنعها الانفعال، أو الاختلاف، أو حتى الحب العميق للوطن. لقد كتبت افتتاحية "المؤامرة" وأنا أعيش، مثل ملايين المغاربة، لحظة خيبة موجعة، فلم أكتبها بعين الخصم، ولا قلم المتربص، وإنما بقلب مشجع رأى حلما وطنيا يتبخر في لحظات، فكانت افتتاحية رأي، وليس محضر شرطة، ومقالا انفعاليا، لا قرارا قضائيا، ولغة صحافية تستند إلى المجاز والاستعارة، لأنها تسعى إلى نقل الإحساس قبل نقل الحدث، إلا أن ما أعقب نشرها دفعني إلى التوقف طويلا أمام ردود الأفعال التي أثارتها. قرأ الكثيرون "الافتتاحية" كما أردتها أن تقرأ: رأيا يحتمل الاتفاق، كما يحتمل الاختلاف. لكن آخرين رأوا فيها تشكيكا في وطنية لاعبين ومدرب ومسؤولين قدموا للمغرب الكثير، حينها أصبح من واجبي أن أوضح، لا دفاعا عن نفسي، بل احتراما لكل من شعر بالأذى، فليس من قيمي، ولا من أخلاقيات المهنة التي أؤمن بها، أن أشكك في ذمة رجل يرتدي قميص المنتخب الوطني، أو أن أوزع صكوك الوطنية على أحد، إذ قد أختلف مع أداء، أو قرار، أو اختيارات تقنية، لكنني لا أملك، ولن أدعي يوما، حق محاكمة النوايا. وإذا كانت كلمات "الافتتاحية" تركت لدى بعض القراء انطباعا بأنني اتهمت أشخاصا أو مسست بإخلاصهم، فإنني أعتذر عن هذا الأثر بكل صدق، فالاعتذار لا يعني التراجع عن حق إبداء الرأي، وإنما يعكس احترامي لمشاعر من قرأ النص بطريقة مختلفة، وفي الوقت نفسه، يبقى من الضروري الدفاع عن مبدأ لا يقل أهمية عن الاعتذار نفسه، وهو أن الرأي ليس جريمة. وأؤمن بأن الصحافة ليست نشرة رسمية، ولا بيانات بروتوكولية، فجزء أصيل من رسالتها أن تحلل، وأن تطرح الأسئلة، وأن تعبر أحيانا بلغة تحمل من المجاز ما يحمله الشعر، ومن الانفعال ما يحمله الإنسان عندما يتعلق الأمر بوطنه. لقد استعملت كلمات مثل "المؤامرة" و"سرقة الحلم" و"الخيانة"، باعتبارها صورا بلاغية تعكس شعورا عاما اجتاح الشارع المغربي، ولم أستخدمها باعتبارها اتهامات قانونية أو وقائع ثابتة، فاللغة العربية، شأنها شأن كل اللغات الحية، لا تقوم على الحرفية وحدها، بل تتسع أيضا للمجاز والاستعارة. ومن يقرأ الافتتاحيات في كبريات الصحف العالمية يدرك أن المقال الافتتاحي لا يكتب بلغة تقريرية، وإنما بلغة الموقف والإحساس. ومع ذلك، فقد تعلمت من هذا النقاش درسا لا يقل أهمية عن كل ما كتبته. تعلمت أن الكلمة، مهما كانت نيتها صادقة، قد تجرح دون قصد، وأن الصحافي لا يقاس فقط بجرأته في النقد، بل أيضا بشجاعته في مراجعة أثر كلماته، فالاعتذار ليس هزيمة، بل دليل على أن الكاتب ما زال يصغي إلى قرائه، ويعتبرهم شركاء في صناعة المعنى، لا خصوما. وسيظل موقفي كما كان دائما: المنتخب الوطني ليس فوق النقد، لكنه أيضا ليس هدفا للتجريح، ولاعبوه ومدربه يستحقون كل الاحترام لما منحوه للمغاربة من لحظات تاريخية ستظل خالدة في الذاكرة. وفي المقابل، يستحق الجمهور أيضا أن يسأل، ويغضب، ويبحث عن تفسير عندما تكون الخيبة بحجم الحلم. ويبقى الوطن أكبر من أي مقال رأي، وأسمى من أي خلاف، فالمنتخب سيظل منتخبنا جميعا، والصحافة ستظل، ما دامت تحافظ على استقلالها ومسؤوليتها، شريكا في بناء هذا الوطن، لا طرفا في إضعافه. أما أنا، فسأبقى مؤمنا بأن القلم لا يفقد كرامته عندما يعتذر، كما لا يفقد حريته عندما ينتقد، فالوطنية ليست أن نصفق دائما، أو نعارض دائما، بل أن يكون همنا الأول، في لحظات الفرح كما في لحظات الألم، أن يبقى المغرب فوق الجميع.