< د. خالد الحري انتهت الزيارة الرسمية لسيباستيان لوكورنو، الوزير الأول الفرنسي، إلى المغرب، (بما تكتسيه من أهمية كبرى باعتبارها الأولى له خارج الاتحاد الأوربي منذ توليه هذا المنصب في 9 دجنبر 2025)، لتبدأ الخطوة الأهم في العلاقات بين الرباط وباريس، أي الانتقال من توقيع الاتفاقيات والمشاريع والشراكات إلى تنفيذها على أرض الواقع. فبعيدا عن السياسة والإشارات الدبلوماسية، هناك الاقتصاد ومصالح البلدين الحيوية والمشتركة والعائد القيمي والمالي على عدد من القطاعات، إذ حرص الطرفان المغربي والفرنسي على التوقيع بالحروف الأولى على مذكرة التزامات لتنزيل ما تم الاتفاق عليه، وفاء ببنود خارطة الطريق الاستثنائية التي أسس لها قائدا البلدين، جلالة الملك محمد السادس والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. فصحيح أن العلاقات بين البلدين مرت، خلال السنوات الأخيرة، بفترات من البرود، غذتها تباينات في الرؤى ومواقف لم ترق إلى مستوى عمق الروابط التاريخية والإنسانية والاقتصادية بينهما، غير أن ما يجري، اليوم، يتجاوز منطق طي صفحة الخلافات نحو بناء مرحلة جديدة قوامها الوضوح السياسي وإعادة بناء الثقة على أسس متينة، وتعزيز المصالح الإستراتيجية المشتركة. ويظل الاعتراف الفرنسي المتقدم بمغربية الصحراء ودعم مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية عنوانا بارزا لإعادة تموقع دولة أوربية كبرى (مثل فرنسا) داخل معادلة إقليمية شديدة الحساسية، بما يعكس اقتناعا متزايدا بوجاهة الطرح المغربي وبالدور المحوري الذي تضطلع به المملكة في استقرار المنطقة. لكن أهمية المنعطف الحالي لا تكمن في البعد السياسي وحده، بل في الانتقال نحو شراكة عملية ومهيكلة، من خلال الاستثمارات المعلن عنها، فضلا عن معالجة الملفات العالقة المرتبطة بالتأشيرات وتنقل الكفاءات. إن الأمر يتعلق بـ14 اتفاقية حيوية بتمويلات كبرى (تتجاوز 10 ملايير أورو) في قطاعات النقل والبنية التحتية والقطارات الجهوية والسريعة، وفي الطاقة والبيئة (مشروع ربط كهربائي مباشر بين المغرب وفرنسا)، وفي تمويل قطاع المياه والتدبير المستدام، وأيضا في التعليم والثقافة، عبر توقيع إعلان نوايا لتعزيز تدريس اللغة العربية والتاريخ والجغرافيا داخل المنظومة التعليمية الفرنسية. ويقتنع الطرفان، أكثر من أي وقت مضى، بأن نجاح هذه المرحلة الجديدة يقاس بمدى القدرة على تنزيل كل هذه الالتزامات والشراكات على أرض الواقع، بموازاة إعادة تفعيل آليات التتبع والتنسيق المشترك، باعتبارها الضمانة الحقيقية لتحويل الطموحات السياسية إلى إنجازات ملموسة. إن الدينامية الجديدة التي تشهدها العلاقات المغربية الفرنسية، رهينة بهذا التحول الإستراتيجي ونقل الاتفاقيات والشراكات من دائرة الوعود إلى دائرة التنزيل الحقيقي بما يعود بالنفع على البلدين وخدمة مصالح الشعبين لعقود طويلة. وبالنظر إلى التحولات الجيوسياسية العميقة التي يعرفها العالم وتراجع عدد من اليقينيات، يبدو المغرب وفرنسا في حاجة متبادلة إلى بعضهما البعض أكثر من أي وقت مضى، إذ يرسخ الأول موقعه قوة إقليمية صاعدة وبوابة إستراتيجية نحو إفريقيا، فيما تبحث فرنسا عن شركاء موثوقين قادرين على مواكبة رهانات الأمن والطاقة والاستثمار في الضفة الجنوبية للمتوسط. ولا شك أن الأمر، في الأول والأخير، يتعلق بنموذج جديد من الشراكة المتوازنة في إطار "رابح رابح".