< د. خالد الحري "فعفعت" الهزيمة المذلة للمنتخب الفرنسي أمام فريق من المراهقين والشباب الإسبان كثيرا من القناعات و"تخراج العينين"، وشتتت جحافل الذباب الإلكتروني "المسخر"، وأسقطت أقنعة حتى ارتطمت بالأرض، وقدمت الدليل القاطع بأن المغاربة ذهبوا ضحية لاعبين ومدرب "منفوخين"، و"محللين" متخصصين في بيع الكلام المنمق، ومعه كثير من الأوهام والأحلام البالية. لقد شاهد الملايير عبر العالم، ليلة أول أمس (الثلاثاء)، كيف أن منتخب "الديكة" يمكن ترييشه وتقطيعه بسهولة مطلقة، وأن كتيبة "الزرق" "طلعت زركة" فعلا، وأن المنتخب الذي لا يقهر، "بخطه الهجومي المرعب ودفاعه الفولاذي" كما قيل لنا، مجرد إشاعة سرعان ما انقشعت. تأكدنا جميعا (ومعنا حتى المشككون في وجهة نظرنا) بأن الرعب الذي رأيناه في عيون محمد وهبي وطاقمه الفني والتقني واللاعبين، قبل وأثناء وبعد، مباراة ربع النهاية أمام المنتخب الفرنسي، كان مبالغا فيه، وهو الرعب الذي أوصلنا إلى لعب بارد بلا روح، وأداء باهت وضعيف وخطة مرتجلة وخطوط تائهة ومفككة وتواضع كبير وسط الرقعة، أثار انتباه اللاعبين الفرنسيين أنفسهم الذين صرحوا بأنهم فوجئوا بالمستوى الهزيل للمنتخب الوطني. سقط القناع، إذن، أول أمس (الثلاثاء)، ومعه خطاب "مقدس" أراد أن يصنع من منتخب عاد أسطورة لا تهزم، وأن يحول كل نقاش حول مباراة المغرب إلى ضرب من العبث، وكأن الحقيقة حسمت إلى الأبد. لقد أحيانا الله، بعد أقل من أسبوع، حتى رأينا خطابا "متماسكا" تفرغ للدفاع عن لاعبين ومدرب ومسؤولين متخاذلين، ينهار أمام الضربات المتتالية لـ"الماتادور"، التي أظهرت أن المنتخب الفرنسي كان في المتناول، لكن لم تكن لدينا الإرادة لفعل ذلك، أو العزيمة، أو "النفس" والقتالية، وهنا مربط الفرس. المثير للسخرية أن بعض الأقلام لم تكتف بالتحليل، بل نصبت نفسها وصية على عقول المغاربة. فمن يوافقها "الرأي" فهو "يفهم كرة القدم"، ومن يختلف معها فهو واهم، عاطفي، أو باحث عن الأعذار، لتتحول الصحافة، بعد ذلك، من سلطة رقابية إلى سلطة وصاية، ومن فضاء للنقاش إلى منصة لإصدار الأحكام. ثم جاءت مباراة في كرة القدم، وكانت أكثر نزاهة من بعض التحليلات. ففي تسعين دقيقة، فعلت إسبانيا ما عجزت عنه آلاف الكلمات وأسقطت الرواية التي قدمت للرأي العام باعتبارها حقيقة مطلقة، وأثبتت أن فرنسا، مهما بلغت قوتها، ليست منتخبا فوق النقد ولا فوق الهزيمة. ليس المهم، بالنسبة إلينا، أن تخسر فرنسا أو تفوز إسبانيا (بيناتهم في آخر المطاف)، لكن الأهم أن نكتشف أن صدورنا شديدة الضيق على هواء النقاش وحرية التعبير والاختلاف، رغم ادعائنا عكس ذلك. كبيرة كانت صدمتنا، ونحن نرى ما رأيناه، قبل أيام، من "تكفير" للرأي الآخر وإخراج عن ملة الصحافة، واحتكار للحقيقة، واستحضار للخزعبلات، من أجل طحن وجهة النظر المخالفة. هذه الافتتاحية ليست شماتة في منتخب، ولا تصفية حساب مع أحد، بل دفاع عن مبدأ بسيط، هو لا قداسة في التحليل، ولا حصانة لأي سردية، ولا أحد يملك حق احتكار الحقيقة. لعل الرسالة تكون قد وصلت محمولة هذه المرة على قرني ثور.