< د. خالد الحري لم تهدأ الزوبعة التي اندلعت في فنجان فارغ، منذ أيام، على خلفية افتتاحية كُتبت في هذا الحيز مباشرة بعد إقصاء المنتخب الوطني، السبت الماضي، أمام المنتخب الفرنسي في مباراة باردة بلا روح ولاعبين بلا "أرجل" وسط الميدان، ما أدرجناه في باب وجود "فرضية مؤامرة ما"، والتمسنا فتح تحقيق في ما جرى. مجرد فرضية ورأي، ضمن آراء مختلفة، عبر عنها المغاربة الذين أحسوا بـ"الشمتة"، وهم يغادرون المدرجات وشاشات التلفاز بحسرة كبيرة، وفي قرارة أنفسهم أن هناك شيئا ما وقع في هذه المباراة، ووجب على المسؤولين توضيحه والتحقق منه حتى لا يتكرر في المرات المقبلة. تحدثنا، بحرقة وطنية، عن واقعة قدرنا، كما قدر معنا ملايين المغاربة، أن هناك مشكلا كبيرا في المنتخب الوطني يجب أن يعالج، حتى يعود إلى سكة الألقاب والاستحقاقات في المناسبات القارية والدولية المقبلة. ونحن نحرر هذا الرأي الذي يتماهى مع وجهة نظر عدد من المغاربة، فوجئنا بأن هناك من يتربص بنا من خلف الستار ويحمل الحبال لنصب المشانق، وينتظر أصغر فرصة كي يستل سيفه، ويهوي به بكل ما أوتي من قوة، ولو كانت هذه الفرصة مجرد كلمة /عنوان تم قطعها من السياق التحليلي العام للافتتاحية، وتحميلها أكبر مما تحتمل من تأويلات وقراءات، أصحابها زملاء المهنة، وهنا تكمن المعضلة الكبرى. فلم نكن لنكتب ما نكتبه الآن في هذا الحيز، لو صدرت المواقف "المضادة" من جهات أخرى، لأننا سنعتبر ذلك أمرا عاديا ويندرج ضمن لعبة التضييق على الصحافة وحرية التعبير والرأي، لكن أن يصدر ذلك عن صحافيين وحملة قلم، فهذا يتطلب وقفة حقيقية. ففي وقت كنا ننتظر ردود أفعال القراء في إطار نقاش عمومي يطور حق إبداء الرأي والنقد البناء وتصحيح مسارات المنتخب الوطني، كانت صدمتنا كبيرة في بعض الزملاء الذين سارعوا إلى خلع عباءة الصحافي وارتداء جبة القاضي، وتفرغوا لإصدار الأحكام، وتوزيع شهادات الوطنية، والتقرير في من يحق له أن ينتقد ومن يجب عليه أن يصمت. عشرات التدوينات والمقالات وبعض الافتتاحيات و"بودكاستات" تركت كل الأشياء الأخرى، وتفرغت إلى شق صدر افتتاحية نشرت في "الصباح" بحثا عن نوايا صاحبها، وماذا كان يريد أن يقوله بالضبط من وراء فرضية المؤامرة، مع أن الافتتاحية واضحة جدا ولا تحتمل أي تأويل. والمؤسف أن بعض الزملاء لم يناقشوا ما كتبته، بل ناقشوا حقي في ما أكتبه. وهذا هو الانحدار الحقيقي. فالصحافة لا تموت عندما يختلف الصحافيون، بل تموت عندما يصبح الاختلاف جريمة، والرأي المخالف خروجا عن الإجماع، وصاحبه هدفا لحملات التقريع. لا أحد يملك احتكار الوطنية، كما لا أحد يملك احتكار الحقيقة. ومن يعتقد أن رأيه وحده هو المسموح به، لا يدافع عن المنتخب، بل يدافع عن الاستبداد بالرأي، ولو رفع شعار الحرية. أما أنا، فسأظل أكتب ما أقتنع به، لا ما يرضي الآخرين، لأن وظيفة رئيس التحرير ليست أن يقيس اتجاه الريح، بل أن يكتب ما يراه حقا، وأن يتحمل مسؤوليته كاملة أمام القراء، لا أمام محاكم التفتيش، و"بوليس" الرأي.