مشمئز ظهوره في وسائل التواصل الاجتماعي بوجه مكشوف. بالنظرات نفسها والشنب الصغير نفسه، وطريقة الكلام نفسها، والحركات ذاتها، وربما الملابس والرائحة. مستفز هذا الإصرار الغريب على الحضور على الشاشة في "إطار ضيق". ومرعب هذا الدخول، من جديد، إلى بيوت الضحايا وأبنائهن وأسرهن وأقاربهن. صعب ما يجري، ولا يُحتمل، مهما حاولنا أن نغض البصر في بعض الأحيان، ونقول "شي باس ما كاين". لا يهم ما يقوله هذا "الرجل" في السياسة وغيرها لأن الأخطر هو ما لم يقله، ومفاده "أني فعلت كل ما فعلت، ثم عدت إليكم وإليكن من جديد بوجه أحمر". هكذا تتحول كل الأشياء، في ومضة ضوء وقرصة "فلاش"، إلى فضيحة. طبعا، لا أحد يجادل في حق المدانين بعقوبات الاغتصاب والاتجار بالبشر بالعودة إلى المجتمع واستئناف حياتهم بشكل طبيعي، وهو أمر مشروع ومطلوب في أي دولة تحترم القانون، لكن ماذا عن الضحايا أيها السادة؟ وماذا عن الأثر النفسي الذي يخلفه الظهور المتكرر للجناة في الفضاء العام؟ أتذكر جيدا قصة تعود إلى سنوات مضت، حين تواصل معي أحد أفراد أسرة ضحية جريمة قتل شهيرة. ذات يوم من صيف 2008 تلقيت اتصالا هاتفيا في مقر "الصباح"، وكان المتحدث شخصا لا أعرفه، يطلب تحرير مقال لتنبيه السلطات لسلوك يضر عائلات ضحايا المجرمين. لم أفهم، في البداية، ما القصد، حتى ذكرني المتحدث بأنه نجل رجل أعمال شهير، كان ضحية جريمة قتل بشعة ارتكبها محاسبه، وأن العائلة بعد أن اطمأنت للحكم الذي أصدره القضاء بسنوات فوجئت بالمجرم القاتل يدخل بيتها خلسة ومن شاشة التلفزيون يتحدث عن المسرح وعن أنشطة السجون، في برنامج تشرف عليه وزيرة الثقافة، آنذاك، بتنسيق مع إدارة السجون. أكد لي المتحدث أن الأسرة كلها أصيبت بصدمة وبأزمة نفسية، وهي تشاهد القاتل يتحدث بطلاقة ويشرح الجولات المسرحية التي قام بها رفقة فرقته المكونة من معتقلين، مطالبا بمنع هذا الظهور العمومي والعلني الذي يحيي الجراح. اليوم يتكرر المشهد بأشكال مختلفة. فبعض المدانين في قضايا خطيرة أصبحوا حاضرين بشكل دائم في وسائل التواصل الاجتماعي، يعلقون على الشأن العام ويوزعون النصائح ويتحدثون عن الأخلاق والقيم والمبادئ. لا مشكل في حق الشخص في "الحديث" والكلام، بل في الكيفية التي يتحول بها حضوره المكثف إلى عبء يومي على من تضرروا من أفعاله. إن الضحية التي حاولت أن تبدأ حياة جديدة تجد نفسها مجبرة على رؤية الجاني مرة أخرى، يتحدث بثقة وكأن الماضي لم يكن، ويقدم نفسه أحيانا في صورة الضمير الأخلاقي، أو صاحب رسالة وضمير للصحافة التي انتهكت فوق "كنبة". فمتى يختفي بوعشرين من المشهد برمته، رحمة بضحاياه العديدات ورحمة بنا أيضا؟ متى يكف عن "الحديث" في كل الأشياء، ويدع جراحا مفتوحة تندمل على "خاطرها"، ويترك فسحة وقت للضحايا كي يستعدن حياتهن الطبيعية؟ فلا أحد يعرف، أكثر من بوعشرين نفسه، أن المجتمعات العادلة لا تقاس بطريقة التعامل مع من أخطؤوا، بل بمدى احترامها لأولئك الذين دفعوا ثمن تلك الأخطاء، ويحرمون، فوق ذلك، من حقهم في النسيان والنجاة من الذاكرة. فأي جبروت يسكنك؟ للتفاعل مع هذه الزاوية: mayougal@assabah.press.ma