عالم الحيوان والحشرات بالبيضاء خالد العطاوي إذا كنت من عشاق برامج “ناشيونال جيوغرافيك”، فلا تتعب نفسك في البحث عن قناة وثائقية، ولا تحجز تذكرة لزيارة حديقة الحيوان، إذ يكفي أن تحمل هاتفك، وتخرج في جولة قصيرة داخل بعض أحياء البيضاء، التي يصر المسؤولون على وصفها بـ”الشعبية”، لتعيش تجربة “سفاري” مجانية، مفتوحة على مدار الساعة، ومن دون تذكرة دخول. ستكتشف بسرعة أن المدينة نجحت في ما فشلت فيه كثير من المحميات الطبيعية، إذ جمعت في مساحة واحدة كل ما يخطر على البال من الكائنات، فهناك القطط التي تتصرف وكأنها المالكة الشرعية للأرصفة، والكلاب الضالة التي تعرف الشوارع أكثر من سائقي سيارات الأجرة، والحمام الذي لم يعد يكتفي بالساحات العمومية، بل قرر توسيع نشاطه التجاري نحو الأزقة والشرفات وحاويات النفايات. أما الفئران، فتستحق وقفة احترام، إذ لم تعد تلك الكائنات الصغيرة التي كانت تهرب بمجرد سماع وقع الأقدام، بل تحولت إلى “نسخة فاخرة” من نفسها، عبارة عن فئران سمينة، وواثقة الخطى، وتمارس رياضتها ليلا ونهارا بكل هدوء، وكأنها حصلت على رخصة احتلال مؤقتة للمدينة، أو ربما دائمة، مادام لا أحد يزعجها. والأجمل من ذلك، أن السلام يعم بين الجميع، فالقطط والفئران وقعت معاهدة تاريخية لوقف إطلاق المطاردات، أكثر صلابة من كثير من الاتفاقيات الدولية، فلا مطاردة، ولا كمين، ولا قفزات بهلوانية كما تعلمنا أفلام “الكرتون”، وكل طرف يحترم مجال الآخر، ويتقاسم معه الفضاء العام في تعايش يستحق أن يدرس في كليات العلوم السياسية، فلو اطلع عليه الوسطاء الدوليون، لأدرجوه ضمن نماذج فض النزاعات. وفي ساحة الفردوس بحي الألفة مثلا، يبدو المشهد أكثر إثارة، فالحمام والفئران لا تكتفي بالتقاط الحبوب والفضلات، بل اكتشفت أن حاويات النفايات أكثر سخاء، حينها تتجول بينها بكل طمأنينة، ثم يحط الحمام فوق أسطح المنازل أو تصعد الجرذان درج العمارات، قبل أن تعود إلى جولتها اليومية، في منافسة مفتوحة مع الكلاب الضالة على أفضل مواقع البحث عن بقايا الطعام، حتى أن الزائر قد يحتار: هل يشاهد طيورا وفئرانا، أم يشاهد لجنة مشتركة لتدبير النفايات؟ أما الحشرات، فتلك حكاية أخرى، إذ أعلنت “شنيولة” نفسها سيدة الأجواء بلا منازع، فهي تطير حيث تشاء، وتهبط على من تشاء، وتمتص من الدماء ما تشاء، لأنها حصلت على امتياز حصري لا ينازعها فيه أحد، فلا تخاف من المبيدات (غير الموجودة أصلا)، ولا تعبأ بحملات الرش (التي لا تتم)، إذ أدركت أنها مقيمة إقامة دائمة. ولأن المشهد لا يكتمل إلا بالتنوع البيولوجي، فإن لكل حي سكني عرضه الخاص، ولكل زقاق كائناته المفضلة، حتى أصبحت البيضاء تستحق أن تطالب منظمة “اليونسكو” بتسجيلها “محمية حضرية للتنوع الحيواني”، ليس بسبب التخطيط البيئي، ولكن بسبب العجز المزمن عن محاصرة مظاهر الإهمال.