فصل ظاهره تفسح واستجمام وباطنه حوادث مختلفة بفاتورة من المآسي يفرض حلول فصل الصيف بالضرورة اتخاذ مجموعة من الاستعدادات الاستباقية، التي تروم حماية المواطنين من حوادث كثيرة بعضها من خصوصية هذا الفصل، والحفاظ أيضا على المجال البيئي وتوازناته، وتأسيسا على ذلك يفرض واقع الحال تضامنا من قطاعات حكومية متعددة ومجالس وفاعلين، لبلورة قرارات إجرائية من شأنها التقليل من الحصيلة العامة لحوادث الصيف، الذي يختلف عن غيره من الفصول بأنه يشهد حركة سير وجولان مكثفة وتوجها نحو الشواطئ والغابات والمنتجعات و"الضايات"، ما يتطلب فعلا رفع درجة اليقظة إلى المستوى البرتقالي . عبدالله غيتومي (الجديدة) إن اعتبار حلول فصل الصيف حدثا يحتم تناوله من مجموعة من الجوانب، فذلك له ما يفرضه ويبيحه أخذا بعين الاعتبار أنه الفصل الذي تدفع فيه درجات الحرارة المرتفعة، المواطنين نحو التحرك نحو المناطق المعتدلة والباردة، وفي تلك التنقلات تكمن أسباب تناولنا لهذا الموضوع، وبالتالي فلا مناص من استحضار حصيلة الصيف الماضي المؤلمة، لتكون الدافع إلى اتخاذ احترازات موسعة، للتقليل من الفواجع. ولنا أن نستحضر جميعا "أم الفواجع" التي حدثت منتصف يوليوز من الصيف الماضي، لما لقيت أم وثلاثة من أطفالها أكبرهم يبلغ من العمر 16 سنة، مصرعهم غرقا في شاطئ تنعدم فيه الحراسة بسيدي بونعايم بتراب جماعة هشتوكة المتاخمة لأزمور، لما جرفهم تيار بحري قوي الواحد تلو الآخر. تلك الواقعة تكرر نفسها في صور مختلفة بالعديد من الشواطئ ببلادنا مع حلول فصل الصيف، خاصة في تلك التي تكون فيها الحراسة ناقصة أومنعدمة تماما. ولن تغيب عن الأذهان فواجع حقينات السدود وسواقي مياه الري، التي تبتلع أرواحا عديدة خاصة في صفوف أطفال صغار لا يقدرون عواقب السباحة في مناطق غير آمنة. حالات الغرق بالشواطئ يعرف فصل الصيف تناميا ملحوظا في عدد حالات الغرق المميتة التي تشهدها الشواطئ، خاصة في غير المحروسة منها، وهو ما يفتح مجددا الحديث عن "السلامة البحرية" الضرورية للتقليص من عدد الذين يلقون حتفهم غرقا، وبالتالي فإن ذلك يضيق هامش إنجاح شعار "العطلة الآمنة" للمصطافين التي ينشدها الجميع. ودعنا الصيف الماضي على وقع حصيلة مقلقة فعلا، وصلت حد 14 ألف حالة غرق خلفت 49 وفاة و21 مفقودا، كان فيها النصيب الأوفر للشواطئ غير المحروسة بـ 33 وفاة و18 مفقودا، في حين سجلت بالشواطئ المحروسة فقط 16 وفاة و3 مفقودين. ويدق ناقوس الخطر بشدة في شواطئ جهة البيضاء سطات الممتدة من بوزنيقة شمالا إلى الوليدية جنوبا، والتي سجلت بها 3144 حالة غرق ضمنها 603 حالات في شواطئ غير محروسة وكانت الحصيلة الإجمالية 14 وفاة و14 مفقودا، وهو ما يسائل منظومة حراسة الشواطئ بهذه الجهة التي يحتضن مجالها البحري العديد من الشواطئ الشهيرة، والتي يزداد الإقبال عليها خلال الصيف في إطار جذب يقدم المنتوج البحري أساسيا في انتعاشة قوية للسياحة الداخلية. دون الإشارة إلى الحصيلة المؤلمة للغرقى الذين لقوا مصرعهم في جهات أخرى من بلادنا، وفي مناطق الري الكبير وفي حقينات سدود تشكل ملاذا للهاربين من الارتفاع الكبير لدرجة الحرارة. الصيف ... موسم التسممات تسجل بلادنا سنويا حالات تسمم تبلغ في المعدل 1600 حالة وأغلبها يحدث في فصل الصيف، ويعزى ذلك إلى ارتفاع درجة الحرارة الذي يوفر تربة خصبة لتكاثر باكتيريا الأطعمة، التي كثيرا ما تترك خارج التبريد لفترات طويلة، وكثرة الإقبال على تناول وجبات خارج المنزل، وضعف الاهتمام بنظافة الأطعمة وفي الأماكن التي تهيأ فيها، ونقصان الوقاية الصحية في غسل اليدين وتنظيف الخضروات وغيرها، والانقطاعات المسجلة في سلاسل التبريد وأثناء نقل وتخزين الأغذية والإقبال المكثف على الوجبات الجاهزة النيئة وغير المطهوة جيدا. والملاحظ في مناطق الجذب الصيفي على الشواطئ الأطلسية والمتوسطية ببلادنا، تتضاعف ظاهرة "الوجبات الجائلة" بواسطة عربات، وغيرها التي تقدم للمصطافين وهو ما يفرض طرح سؤال مشروع هل تتوفر فيها فعلا كل الضمانات الصحية الضرورية ؟ حين يأتي الجواب بالنفي ذلك ما يشرع باب نقاش قوي حول الآثار الصحية السلبية على الأطفال والمسنين، والتي تصل في أحيان كثيرة إلى وفيات. لسعات العقارب ... القلق الدائم كانت وزارة الصحة والحماية الاجتماعية قد أكدت أن لسعات العقارب ولدغات الأفاعي، لا زالت تشكل خطرا داهما، يهدد سلامة المواطنين خاصة سكان الوسط القروي، وكشفت أن بلادنا تسجل سنويا 25 ألف حالة تسمم بلسعات العقارب و350 حالة تسمم بلدغات الأفاعي، ومعظم هذه الحالات في فصل الصيف . وفرض هذا الخطر على وزارة الصحة تزويد مستشفيات تدخل في تراب المناطق الأكثر عرضة للمخاطر سالفة الذكر، بمعدات طبية وأدوية ضرورية مضادة للسم ضمنها أمصال مضادة للدغات الأفاعي، وانخرطت الوزارة في درء المخاطر بالنصيحة، بمناشدة المواطنين على اتباع مجموعة من التدابير الهامة، منها عدم إدخال الأيادي في الحفر وعدم الجلوس في الأماكن المعشوشبة وبجانب أكوام الصخور، وضرورة ارتداء أحذية وملابس واقية، والعدول عن جمع الحطب ليلا ومن أماكن خطرة. ونصحت الوزارة السكان بتبليط الجدران والأسقف، لتظل ملساء تمنع العقارب من التسلق، مع ضرورة التعجيل بنقل المصابين إلى أقرب مصلحة استشفائية، والابتعاد عن ربط الطرف المصاب من الجسم أو تشريطه أو كيه بمواد كيماوية وأعشاب لأن من شان ذلك الإسهام في إثارة مضاعفات صحية خطيرة. حرائق الغابات ... خطة التصدي سجلت بلادنا خلال صيف 2024 ما مجموعه 382 حريقا في عدد من المناطق الغابوية التي تشكل 12 في المائة من المساحة الإجمالية، وكانت الوكالة الوطنية للمياه والغابات قد أكدت أنه رقم يؤكد تراجعا في نسبة حرائق الغابات بمعدل 82 في المائة مقارنة بـ 2023، ولأجل ذلك واستثمارا لحصيلة الحرائق المسجلة رصدت السلطات خطة مبكرة بدأتها صيف 2025 بتكلفة 160 مليون درهم عززت من خلالها جهود مكافحة الحرائق بالغابات، وضمنها توظيف التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي والطائرات المسيرة وأجهزة استشعار أرضية وكاميرات مدعومة بالذكاء الاصطناعي، وصيانة أبراج المراقبة، إضافة إلى تعزيز حظيرة سيارات التدخل، مع نشرات تحذيرية بشأن مخاطر حرائق الغابات، وكان الخبير مصطفى بنرامل قد أكد لمناسبة سابقة، أن آليات الرصد المبكر لعبت دورا هاما في التصدي الاستباقي للحرائق، والحيلولة دون انتشارها على نطاق واسع . ورغم هذه الإجراءات تظل غاباتنا عرضة للحرائق مثل نظيرتها في منطقة البحر الأبيض المتوسط، لازدياد أسباب الاشتعال خلال فصل الصيف بالنظر لارتفاع درجات الحرارة، إضافة إلى عوامل أخرى مرتبطة بسلوكات مترددين على الغابة، وضمنها إضرام النار لأغراض مختلفة، عادة ما تكون سببا في حرائق مهولة بالقطاع الغابوي، وذلك يشكل خسارة بيئية في المجال الأخضر مع ما يترتب عن ذلك من اختلالات وتوازنات بيئية، أمام ضعف عملية التعويض وتشجير المساحات المحترقة. السلامة العامة مطروحة بشدة تغذي الإشكالات والحوادث المرتبطة بفصل الصيف ردود أفعال مختلفة، يظل القاسم المشترك بينها الدعوة المتواصلة إلى تعزيز كل سبل السلامة العامة، التي من شأنها صون صحة وسلامة المتوافدين على أماكن الاصطياف . وفي هذا الصدد، صرحت إلهام بلفليحي، الكاتبة العامة للشبكة المغربية للتحالف المدني للشباب، في مناسبة سابقة أن حوادث الغرق تستدعي تحركا جماعيا، ووجهت رسالة إلى عموم المواطنات والمواطنين بالالتزام بضرورة السباحة في الشواطئ المحروسة، لأنها الفضاء الآمن للاستمتاع بالاصطياف. ودعت إلى تعبئة مجتمعية حقيقية تتيح فضاءات سباحة آمنة وتشوير المناطق الخطرة ورفع الرايات، التي تظهر حالات الخطر . مقابل ذلك، أكد جلال أصباغي، المندوب الإقليمي للصحة بالجديدة، أن الصيف فصل تسممات وأن مصالح وزارة الصحة بالإقليم متأهبة باستمرار، عبر خلية الأوبئة والتسممات للتصدي لكل أسباب التسمم، عبر المشاركة في خرجات مراقبة ضمن لجان إقليمية مختلطة، إلى المطاعم ومحلات الأكلات الجاهزة، والقيام بأخذ عينات من الأطعمة المقدمة وإجراء تحاليل مخبرية عليها . وغردت إحداهن على حائطها في "فيسبوك" "عدد معلمي السباحة بشواطئ الجديدة غير كاف، إذ يتعين الزيادة فيه لتوفير الحراسة الضرورية". وكتب آخر "على اللجان المختلطة للمراقبة تكثيف خرجاتها الميدانية للتأكد من جودة الأطعمة المقدمة للمصطافين". ودون آخر" إن الغابة ثروة لا تقدر بثمن وعلى المستفيدين من البيئة اللطيفة التي توفرها للمصطافين، الابتعاد عن كل ما من شأنه إلحاق أضرار بها". المسؤولية مشتركة أكد الفاعل الجمعوي والاجتماعي بوشعيب بنقرايو، أن فصل الصيف، الذي ينتظره الجميع باعتباره موسما للراحة والاستجمام والترفيه، أصبح للأسف يشهد كل سنة تزايدا في عدد الحوادث المأساوية، سواء تعلق الأمر بحالات الغرق في الشواطئ والوديان والحقينات، أو بحرائق الغابات، أو بالتسممات الغذائية، أو حوادث السير الناتجة عن معضلة المرور، وهي أحداث تخلف خسائر بشرية ومادية مؤلمة وتؤثر بشكل كبير على الأسر والمجتمع. وأضاف الفاعل الجمعوي والاجتماعي، أن هذه الوقائع أصبحت تتكرر بوتيرة تدعو إلى القلق، مما يفرض اعتماد مقاربة استباقية تقوم على الوقاية والتحسيس والتدخل السريع. وأوضح أن آلاف الأسر تتوجه خلال العطلة الصيفية إلى الشواطئ والفضاءات الطبيعية هربا من ارتفاع درجات الحرارة وبحثا عن متنفس يخفف من ضغوط الحياة اليومية، غير أن غياب الوعي لدى البعض، إلى جانب ضعف المراقبة في بعض المناطق، يجعل لحظات الاستجمام تتحول في أحيان كثيرة إلى مآسٍ حقيقية، وأشار إلى أن السباحة في الأماكن غير المحروسة، وعدم احترام تعليمات السلامة، وإشعال النيران داخل الغابات، واقتناء المأكولات من مصادر تفتقر لشروط النظافة، كلها عوامل تساهم في ارتفاع عدد الحوادث خلال هذه الفترة. وأضاف أن المسؤولية في هذا المجال مشتركة، لكنها تضع على عاتق الجماعات الترابية والسلطات المحلية والإقليمية مسؤولية أكبر، من خلال تعزيز آليات اليقظة، وتوفير العدد الكافي من المنقذين بالشواطئ، وتقوية فرق الوقاية المدنية، ومراقبة جودة المواد الغذائية، وتكثيف حملات مراقبة الفضاءات الغابوية، خاصة في الأيام التي تعرف ارتفاعا كبيرا في درجات الحرارة، كما دعا إلى تعبئة مختلف المصالح الأمنية والصحية والبيئية لضمان سرعة التدخل والحد من الخسائر عند وقوع أي حادث. وأشار إلى أن المجتمع المدني بدوره مطالب بالمساهمة في نشر ثقافة الوقاية، عبر تنظيم حملات تحسيسية وتوعوية تستهدف الأطفال والشباب والأسر، لأن الوقاية تبقى أفضل وسيلة لتجنب مثل هذه المآسي، كما شدد على ضرورة إشراك وسائل الإعلام في نشر الرسائل التوعوية بشكل مستمر، وعدم الاكتفاء بالحملات الموسمية. وختم بوشعيب بنقرايو تصريحه بالتأكيد على أن حماية أرواح المواطنين والحفاظ على الثروة الغابوية مسؤولية جماعية، داعيا الجميع إلى التحلي بروح المسؤولية والالتزام بالتعليمات الصادرة عن الجهات المختصة، كما ناشد المسؤولين بمختلف مستوياتهم الترابية والإدارية بمضاعفة الجهود خلال الصيف، حتى يظل هذا الفصل مناسبة للراحة والاستجمام، لا موسما للحوادث والأحزان، لأن نجاح الموسم الصيفي يقاس بمدى توفير شروط السلامة والأمن لكل المواطنين والزوار. بوشعيب بنقرايو (فاعل جمعوي واجتماعي )