مقبرة الغفران... الموتى في مزبلة محمد الشمسي * دخلتُ "مقبرة الغفران" الجمعة الماضي، لأودع ميتا، فوجدت نفسي أودع الوطن. وكنتُ شاهدا على كل ما هو قبيح يحدث في مكانٍ يُفترض أنه مقدس. فالبيضاء لا تدفن موتاها، بل ترميهم في مزبلة رسمية تحمل زورا اسم مقبرة. هضاب قمامة، وقطعان كلاب، وطوابير من المتسولين يرون في الجثمان غنيمة. وممرات محفرة متربة، وغبار متطاير في كل زاوية، تستقبلك كوكبة من الدراجات النارية في محطة توصل "الزبناء" من مدخلها إلى عمقها البعيد، وإن كنتم أكثر من شخص هناك عربات تجرها خيول ترابط وسط بعرها ذي الرائحة الكريهة، أو "طريبورطور"، و"كلها واختيارو" في نقل عشوائي فيه إهانة للموتى ومخاطرة بحياة الأحياء... استحضرت مقارنة سريعة بين مقابرنا نحن المغاربة المسلمين ومقابر المسيحيين فصعقت. مقابرهم جنات: خضرة، ونضرة، ونظافة، ورخام، وهدوء. وامتداد من العشب والورد. يحترمون مواطنيهم أحياءً وأمواتًا، لأن الموت لا ينتقص من كرامة الإنسان شيئا. بل إن معاملة الموتى مرآة لعقلية الأحياء. وأما مقابرنا فمزابل وليست مقابر. قنينات من بلاستيك متراكمة. وأخرى من زجاج أخضر متناثرة. وأزبال تصل إلى الركبتين. في المحصلة يموت مواطنونا خارج كل ضوابط حقوق الإنسان، حيًّا وميتًا. لا حرمة ولا وقار. "فقيه" يرقب جيبك، يتعجل تلاوة القرآن بالتقسيط. عيناه تتراقصان على المال لا على المصحف. بلا روح، بلا مهابة، بلا خشوع يليق بجلال القرآن. "متسول" يتشاجر على قارعة النعش مع "أخيه في الحرفة": من "سيأخذ أكثر". يتحول الموت إلى ملحمة ابتزاز، والجثمان إلى سلعة. وأين الدولة؟ وأين وزاراتها؟ فالقانون تسقط صلاحيته عند أول قبر في "الغفران". أين جماعة الدار البيضاء؟ أين وزارة الصحة من الكارثة الوبائية؟ أين وزارة الداخلية من فوضى المتسولين على أنقاض الموتى؟ أم أن "كرامة الإنسان" في دستورنا تنتهي بآخر نبض؟ نحتاج تدخلًا فوريًا: حراسة دائمة، وكاميرات مراقبة، وعقوبات زجرية ضد المتاجرة بحرمة الموتى. ونحتاج شركة نظافة متخصصة، وتشجير المقبرة، وتأهيلها لتليق بكرامة من فيها. ولتستعيد المقبرة حظوتها، فالموتى أمانة، ومن لا يصون أمانة موتاه، لن يصون كرامة أحيائه. إذا كنا ندفن موتانا في الأزبال، فلا تسألوا بعدها لماذا نعيش في الأزبال. ومن لا كرامة له وهو ميت، لن يكتسب كرامة وهو حي. إلى حين ذلك تظل مقبرة الغفران مثالا صارخا للتفريط والتقاعس والنسيان. * محام وروائي