fbpx
ملف عـــــــدالة

الحياة الخاصة خط أحمر

محمية دستوريا وانتهاكها يستوجب المتابعة
تحولت صفحات التشهير سواء على فيسبوك أو يوتوب أو غيرهما من وسائط الاتصال السريع، إلى وسيلة لاستغلال معطيات خاصة محمية قانونا، لا يجوز المس بها، بل إن مخاطرها تتعدى المجال الزجري الذي ينتظر المتلاعبين بالصور وبيانات الأفراد، إلى الانعكاسات التي يتأثر بها الضحايا، والتي تدفعهم إلى اتخاذ قرارات إما بالرحيل عن محيطهم الاجتماعي أو تسبب لهم مشاكل أسرية، أو قد تذهب أكثر من ذلك إلى المعاناة النفسية التي تنتهي بالانتحار.
ولعل القوانين سعت جاهدة إلى حماية الحياة الخاصة للأفراد والجماعات، وتصدت لأي انتهاك للحقوق والحريات، وهو ما رسخه المشرع المغربي، سعيا منه للنهوض بثقافة حقوق الإنسان، وسن تشريعات لأجل الغاية نفسها.
ويقصد بمصطلح الحياة الخاصة، كل الجوانب المتعلقة بالفرد أو الجماعة، سواء تعلق الأمر بالسلامة الجسدية أو المعنوية أو الاعتبار أو الحرية، أو بتعبير أدق هي كل الجوانب ذات الطابع الشخصي، ولو كانت معلوماتية، خاصة إذا كانت تتعلق بالبيانات التي تمكن من التعرف والتحديد المباشر أو غير المباشر لهوية الشخص المعني (رقم بطاقة التعريف الوطنية، الصورة، رقم الهاتف المحمول، العنوان السكني، البريد الإلكتروني) وحتى إن كانت تضم المعطيات المرتبطة بالصحة بما فيها المعطيات الجينية أو المرضية، وأيضا المعلومات التي تكشف عن العرق أو الانتماء السياسي أو النقابي أو الديني.
ويعد الحق في الحياة الخاصة، بالنسبة إلى الاتفاقيات الدولية، مبدا أساسيا في منظومة حقوق الإنسان، التي هي منظومة كونية غير قابلة للتجزئة أو الإلغاء، فالإعلان العالمي لحقوق الإنسان 10 دجنبر 1948 ينص على أنه:
“لا يتعرض أحد لتدخل تعسفي في حياته الخاصة أو أسرته أو مسكنه أو مراسلاته أو لحملات على شرفه وسمعته ولكل شخص الحق في حماية القانون من مثل هذا التدخل أو تلك الحملات”، إضافة إلى المادة 17 وما يليها من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي تنص على أنه: “لا يجوز تعريض أي شخص على نحو تعسفي أو غير قانوني لتدخل في خصوصياته….”
أما بالنسبة إلى التشريع المغربي، فالحق في الحياة الخاصة يتمتع بحماية دستورية، إذ ينص الفصل 24 “لكل شخص الحق في حماية حياته الخاصة…لا تنتهك سرية الاتصالات الشخصية كيفما كان شكلها ولا يمكن الترخيص بالاطلاع على مضمونها أو نشرها كلا أو بعضا أو باستعمالها ضد أي كان إلا بأمر قضائي ووفق الشروط والكيفيات التي ينص عليها القانون”، كما يتضمن قانون الصحافة والنشر أساسا تشريعيا مهما انطلاقا من الفصل 51 مكرر منه، الذي يعاقب على نشر ادعاءات أو وقائع أو صور تمس بالحياة الخاصة للغير. ناهيك عن أن المشرع المغربي أحاط المعطيات ذات الطابع الشخصي بعناية خاصة بواسطة القانون رقم 08/09 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي وجاء بتعريف هذه المعطيات أنها: كل معلومة كيفما كان نوعها، بغض النظر عن الوسيلة التي استخدمت للحصول عليها سواء كانت مكتوبة أو عبر الصوت والصورة تتعلق بشخص ذاتي معرف أو قابل للتعرف عليه.
وقد أضيفت في الآونة الأخيرة تشريعات تعزز توجه الدولة لتكريس هذه الحماية، من خلال قانون محاربة العنف ضد النساء، وكذا من خلال توجيهات رئاسة النيابة العامة، لإعمال القانون على الوجه السليم ووفق الفلسفة التي دفعت المشرع إلى سنه.
المصطفى صفر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق