fbpx
افتتاحية

كفى موتى

تحدى غاضبون السلطات المحلية والقوات العمومية بالمدينة القديمة بالبيضاء، واعتلوا أسطح منازل آيلة للسقوط، مهددين بالانتحار ومواجهة أفراد القوات المساعدة، علما أن أغلبهم استفاد من شقق جديدة.
إنه مشهد عبثي. فالمنازل يخيم عليها شبح السقوط، في أي لحظة، والرافضون لمغادرتها يأبون الانصياع لقرارات الهدم، علما أن المنطقة تحصي، كل فصل شتاء، عدد قتلى الانهيارات.
يحمل سكان “المدينة القديمة” أكفانهم، في انتظار سقوط منازل جديدة، في حوادث أصبحت “مألوفة” لتكرارها سنويا، والعجز عن طي صفحة “الموت تحت الركام”، إلا أن رفض بعضهم مغادرة المنازل يحمل المسؤولية في تنفيذ قرارات الهدم إلى السلطتين التنفيذية والقضائية، فلا أحد فوق القانون، وحماية أرواح السكان أولى الأولويات، بعيدا عن “طمع الدنيا” في الحصول على شقة إضافية جديدة أو رغبة في لي ذراع السلطات المحلية.
لا ننكر المجهود الكبير للسلطات والجهات المسؤولة في مواجهة أزمة المنازل الآيلة للسقوط، فقد تمكنت من نقل عدد كبير من المستفيدين إلى أحياء جديدة، إلا أن كل التقارير الرسمية تشير إلى استمرار خطر الانهيار، لأن عمران المدينة أصبح “شائخا”، ما يستدعي التعجيل بقرارات جديدة تجبر كل المستفيدين من المشاريع على مغادرة منازلهم، ولو باستعمال قوة القانون.
في آخر حادث بالمنطقة نفسها توفيت أم ووالدتها تحت الأنقاض، وأصيب آخرون بجروح خطيرة في حادث جديد لانهيار منزل بالمدينة القديمة، مباشرة بعد تهاطل الأمطار، ليعود مشهد سقوط ضحايا المنازل الآيلة للسقوط الذي ينتهي ببلاغ السلطات المحلية يحدد فيه المسؤوليات، ونقل الضحايا إلى المقبرة والمصابين إلى المستشفى.
ما حدث بالمدينة القديمة بالبيضاء تكرر سنوات عديدة، بل إن الوقائع تتشابه كثيرا، ففي 2014 لقي خمسة أشخاص مصرعهم، حينما انهارت ثلاثة منازل بدرب سيدي فاتح، وأظهرت التحريات أن عائلتين رفضتا إخلاء منزليهما، رغم التحذيرات المتكررة للسلطة المحلية. ويوم الثلاثاء الماضي توفيت امرأتان استفادتا من منزل بالحي الحسني، إلا أن مشاكل عائلية حالت دون انتقالهما.
يقال إن “الشيطان يكمن في التفاصيل”، لكن في حالة المدينة القديمة بالبيضاء أصبح الموت “يسكن” هذه التفاصيل، فالعائلات ترفض الانتقال إلى المنازل الجديدة، بل تتحدى “ميليشيات” السلطات المحلية وتواجه أفراد القوات المساعدة، ثم تطوى الصفحة ويستمر هؤلاء في العيش داخل منازل تنتظر “حتفها” في أي لحظة.
إن التغاضي عن هذه “الميليشيات” معناه فتح المجال أمام الفوضى والتسيب، فأفعالها تصنف في خانة جرائم “عرقلة عمل السلطات وتعريض حياة أشخاص للخطر”، ولابد من الحزم والتنسيق بين السلطتين التنفيذية والقضائية لإعمال القانون، لأن تجاهل الأحداث سيؤدي حتما إلى مزيد من القتلى تحت الأنقاض.
مرة قال نبيل بنعبد الله، حين تولى مسؤولية وزارة السكنى والتعمير، تعقيبا له على فاجعة انهيار منازل بالبيضاء، إن الحادث لن يتكرر، وسيقدم استقالته في حال وقوع ذلك، وغادر بنعبد الله الوزارة، واستمرت قصص الانهيارات وسقوط القتلى.
المسؤولية الأولى تقع على أسر الضحايا الرافضين لمغادرة منازلهم، وعلى الحكومة وممثليها العاجزين عن هدم المنازل، فالصرامة والحزم أساسيان في مثل هذه القضايا، خاصة أنها ترتبط بالحياة والموت، علما أن المئات من وثائق الدراسات الميدانية تدعو إلى التعجيل بالهدم، في انتظار ترحيل ما تبقى من الأسر، وعدد المنازل الآيلة للسقوط في ارتفاع مستمر، لأن عمرها يتجاوز 50 عاما، وأخرى تحتاج إلى ترميم عاجل.
الكرة، الآن، في ملعب المسؤولين لتطبيق القانون، وعدم التساهل وإيجاد حلول، لكل العوائق الطارئة… فكفى موتا تحت الأنقاض.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى