fbpx
خاص

جـاك بريـل … حكايـات مغربيـة

أحب الطاجين المغربي وربط صداقات مع بحارة المحمدية وفكر في الاستقرار بمراكش

حلت، أخيرا الذكرى الأربعون لرحيل الفنان العالمي جاك بريل، الذي يعد واحدا من الأسماء الفنية التي طبعت القرن العشرين بإبداعاته التي جمع فيها بين الكتابة والتلحين والأداء، كما انتقل إلى الإبداع المسرحي والسينمائي. في هذا الخاص تستعيد “الصباح” جوانب من سيرة صاحب “جوجو” وكواليس زياراته للمغرب.

“… وإن بقيت حزينا
سنذهب لزيارة الغانيات
عند “مدام أندري”
فيبدو أن لديها الجديد…”

هكذا خاطب جاك بريل صديقه “جاف” في أغنية تحمل الاسم نفسه، وهو يواسيه بعد أن تخلت عنه عشيقته الشقراء.

وإن لم يُعرف على وجه التحديد من هو “جاف”، إن كان فعلا صديقا لبريل أم أن الأخير يخاطب نفسه في هذه الأغنية، فإن اسم “مدام أندري” لم يكن ليخفى على الكثيرين، خاصة المغاربة من عشاق بريل، وتحديدا الذين يتذكرون زيارات النجم البلجيكي العديدة للمغرب الرسمية منها أو الشخصية خلال نهاية الخمسينات والستينات وحتى بداية السبعينات.

يتعلق الأمر بسيدة كانت تدير أشهر وأكبر ماخور في شمال إفريقيا، إنه “بورديل السفانكس” الشهير بمدينة المحمدية والذي افتتح بداية الخمسينات، إبان فترة الحماية الفرنسية، وكان معروفا باحتضانه نوعا خاصا من الدعارة “الراقية”، إذ كان مجهزا بكل مستلزمات المتعة الحسية لمرتاديه من غرف مفروشة وحانات ونواد للرقص، إضافة إلى مصحة للفحوصات الطبية، فضلا عن أن العاملات به كن من جنسيات أوربية، ويتم تغييرهن شهريا، وقد تولى شؤون “السفانكس” في ما بعد “جورج بوشسيش” أحد المتورطين في ملف الشهيد المهدي بنبركة قبل أن يغلق بداية السبعينات.

وكان رواد “بورديل السفانكس” من كبار الشخصيات منهم الجنود الأمريكيون أو الموظفون “السامون” والأثرياء ومشاهير الفن، وضمنهم الفنان العالمي جاك بريل الذي أجمعت الكثير من الروايات أنه كان يرتاد “السفانكس” خلال زياراته للمغرب نهاية الخمسينات وبداية الستينات.

الإعلامي والصحافي عمر سليم، واحد من أخلص عشاق جاك بريل بالمغرب يؤكد ل”الصباح” أن زيارات جاك بريل لبورديل “السفانكس” لم تكن فقط بغرض الاستمتاع بالخدمات الجنسية التي توفرها العاملات به، بل إن الكثير من نصوص أغانيه الشهيرة استلهمها خلف جدران هذه البناية التي أغلقت بداية السبعينات، منها أغنيتا « ne me quitte pas » و  «la valse à mille temps » التي يقول سليم، نقلا عن فرانسوا أوبير رفيق بريل، إن الأخير كتبها في المغرب.

ويضيف عمر سليم، الذي سبق له أن أعد أطروحته الجامعية بالسوربون نهاية السبعينات حول حضور الطفولة في نصوص جاك بريل، أن الأخير عشق المغرب كثيرا، لدرجة أنه كان يفكر في الاستقرار به بعيدا عن الأضواء وبريق الشهرة بحثا عن الهدوء والسكينة قبل أن يفعل ذلك بجزر “الماركيز” التي اختارها مستقرا له في أواخر حياته، وما بعد حياته.

عاشق السمك

الفنان الراحل الطيب الصديقي، كان شاهدا على العديد من زيارات جاك بريل للمغرب، خاصة خلال فترة الستينات، وهي المرحلة التي تولى فيها الصديقي إدارة المسرح البلدي للدار البيضاء، مما مكنه من اللقاء بالعديد من مشاهير الفن الذين كانوا يحيون سهراتهم بهذه المعلمة الفنية التي دُكّت بقرار أخرق.

ومن هؤلاء المشاهير جاك بريل الذي أحيا العديد من السهرات بالمسرح البلدي وقبل ذلك بفضاءات أخرى منها سينما ريالطو وملعب مصارعة الثيران (ليزارين) وبعض القاعات بكل من الرباط ومكناس وخريبكة.

وحكى الطيب الصديقي، في حديث سابق مع ” الصباح” عن جوانب من علاقته بجاك بريل قائلا “بالنسبة إلي رغم مضي الآن 32 سنة على رحيله، فإنني أعتبره لم يمت بعد، فهذا الفنان من أعجب ما رأيت في حياتي، وهذا ما لمسته من خلال العلاقة الخاصة التي ربطتني به عندما كنت مديرا للمسرح البلدي، إذ أتيحت لي فرصة التعاقد معه من أجل إحياء سهرة بالمسرح، مقابل 10 آلاف درهم، وكان لها شأن في ذلك الوقت، كما أنني استضفته في بيتي أكثر من مرة”.

وواصل صاحب رائعة “أبي حيان التوحيدي” حديثه عن جاك بريل واصفا إياه بأنه كان شخصا كريما للغاية، وكان يتولى بنفسه توزيع تذاكر سهراته على الطلبة العاجزين عن دفع ثمنها، كما كان متواضعا إلى أبعد الحدود ويتصرف دون تكلف أو تصنع، فضلا عن إعجابه بالطبخ المغربي خاصة الطاجين والسمك، وكثيرا ما كان يتردد في تجواله بشوارع الدار البيضاء على مطعم سمك مشهور بالميناء.
عشق بريل للسمك والموانئ لم يقتصر على مدينة الدار البيضاء التي ، فمدينة المحمدية كذلك كانت لها مكانة خاصة في قلب بريل، إذ لم تنحصر علاقته بمدينة الزهور فقط من خلال “بورديلها” الشهير، بل كثيرا ما كان يزور ميناءها، وبحكم ميله لحياة البساطة والتواضع، فقد ربطته صداقات كثيرة مع صغار البحارة بميناء “فضالة” ولم يكن يتردد في مشاركتهم تدخين التبغ الرخيص أو احتساء الجعة والنبيذ.
ولعل المتأمل في أغنية “في ميناء أمستردام”، رغم أن عنوانها يحيل إلى ميناء هولندي، يجد فيها عناصر كثيرة من مشاهدات بريل في موانئ أخرى وأوصاف لا تنطبق فقط على البحارة الهولنديين.

صداقة مغربية

قضية تفكير جاك بريل في الاستقرار بالمغرب أكدها الصحافي والناقد السينمائي علي حسن، الذي سبق أن حضر بعض حفلات الفنان البلجيكي خلال الستينات قبل أن تنشأ بينهما صداقة خاصة خلال بداية السبعينات وتحديدا خلال يونيو سنة 1973 حين تلقى بريل دعوة لحضور مهرجان “الفنون الشعبية” بمراكش.

ويضيف علي حسن، في حديثه مع ” الصباح”، أنه التقى بريل بباحة فندق “السعدي” بالمدينة الحمراء، وأتيحت له فرصة مرافقته في رحلة قصيرة بضواحي مراكش كان فيها بريل جادا في البحث عن مكان هادئ يستقر فيه بعيدا عن الضوضاء.

الدونكيشوت الفرنكفوني

في اللحظة التي حسم فيها صراع جاك بريل مع داء السرطان لصالح الموت يوم 9 أكتوبر 1978، لم يكن المغني البلجيكي قد جاوز بالكاد التاسعة والأربعين من عمره، وهي السنوات التي استطاع من خلالها بريل التأشير على حضور متفرد في الأغنية الفرنسية التي اقتحمها بإصرار فولاذي واستطاع أن يفرض فيها بصمته الخاصة ويؤسس لتوجه ومدرسة لا يمكن أن تحمل إلا اسم “جاك بريل”.
عشق بريل الحرية والانعتاق، وفوق كل هذا فنه حد الفناء، ودفع مقابل ذلك الكثير، ضحى بحياته الأسرية بعد أن تزوج في سن مبكر، وقبل ذلك ضرب عرض “الكيتار” رغبة والديه في تسيير معمل الكارتون الذي كانت تملكه عائلته، وانطلق إلى باريس سنة 1951 لا يلوي على شيء سوى عشقه اللامحدود للغناء والموسيقى ونشدانه المغامرة مهما كانت النتائج.

لم تكن البدايات بالنسبة إلى بريل في عاصمة الأنوار سهلة، فقد تطلب الأمر منه الإقامة في فنادق متواضعة خارج التصنيف، والاشتغال في حانات وكباريهات صغيرة يحصل منها بالكاد على النزر اليسير، بعد أن كان يسير معملا يدر عليه الكثير.

وخلال هذه الفترة أي منتصف الخمسينات، أصدر بريل أولى اسطواناته إلا أنها لم تلق نجاحا كبيرا، ووجد الفتى البلجيكي صعوبات جمة من أجل فرض ذاته في الأوساط الباريسية، إلى أن أتيحت له فرصة الغناء في مسرح الأولمبيا عن طريق مديرها آنذاك برونو كوكاتريكس.

بعدها بدأ بريل في شق طريق النجومية بعشرات الأغاني التي قدمها في تلك الفترة، مثل “عندما لا نملك سوى الحب” التي شكلت مفتاح شهرته، وأعقبتها جولة فنية ناجحة بفرنسا وأوربا وأمريكا وشمال إفريقيا أعلنت ميلاده نجما فوق العادة.

وفي ظرف وجيز احتل جاك بريل مكانة رفيعة في خارطة الغناء الفرنكفوني، بفضل أسلوبه المميز في الأداء وقوة نصوص أغانية التي كان يكتبها بنفسه، منها “جاف” و”أمستردام” و”مادلين” و”لا تتركيني” وغيرها.
وحقق بريل كل شيء تقريبا في ظرف لم يتجاوز بالكاد 15 سنة، حتى قرر أن يعتزل الحفلات العامة ويتفرغ للتأمل والتأليف، وقبل أن يقرر ذلك قام بجولة فنية أخرى طاف فيها معظم دول العالم كان ذلك نهاية 66 وبداية 67.بعد هذه المرحلة سيقدم بريل العديد من الأعمال السينمائية والمسرحية، كما سيخوض التمثيل والتأليف والإخراج، ومن بين أشهر أعماله في هذه الفترة أوبرا “رجل المانشا” وأفلام “العم بنيامين” وأخطار المهنة” و”المغامرة هي المغامرة” وغيرها.

خلال منتصف السبعينات سيقرر بريل الانعزال بجزر “الماركيز” وخلال الفترة نفسها سيكتشف إصابته بداء سرطان الرئة، ولم تدم مقاومته للداء سوى بضع سنوات حتى استسلم له في 9 أكتوبر 1978.

مامون… ظل بريل في المغرب

عندما توفي جاك بريل سنة 1978 لم يكن مامون سالاج بالكاد يتجاوز سنه الثالثة عشرة، وفي هذه السن المبكرة بالذات بدأت علاقة مامون بمطربه المفضل بشكل غير مباشر عندما اكتشف الفتى المغربي “قارة بريل” الغنائية.

وفي فترة وجيزة دفع عشق مامون لأغاني بريل إلى حفظ أكبر عدد منها، خاصة خلال مرحلة الدراسة الثانوية وبعدها خلف أسوار جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء حيث كان مامون يدرس الأدب الفرنسي، وحيث اشتهر وسط زملائه بإجادته أداء جاك بريل رغم صعوبة هذه المهمة، إلا أن سالاج ركب التحدي واستطاع بفضل إلمامه بأبجديات الموسيقى التي تابع دروسها بالمعهد الموسيقي للدار البيضاء، أن يكسب الرهان ويقرن اسمه بمعشوقه “حد الجنون”.

فلم يعد يذكر اسم الفنان جاك بريل في أوساط عشاقه بالمغرب دون أن يتم استحضار اسم مامون سالاج، الذي تمكن من لفت الأنظار إليه بفضل إتقانه المحكم لأسلوب بريل في الغناء بمرافقة القيثارة، وشارك في عشرات الملتقيات والحفلات الخاصة والعامة بالمغرب وخارجه.

وعرف مامون الشهير بـ”بريل المغربي” بمحافظته على إحياء ذكرى جاك بريل من خلال أدائه لأشهر أغانيه وأعماله الموسيقية، حيث غنى له على مدى أكثر من 25 سنة واستطاع أن يستقطب جمهورا عريضا من معجبي روائع الفنان البلجيكي، في العديد من الحفلات الموسيقية التي قام بإحيائها.

يعتبر سالاج فنانا متعدد المواهب والميولات، فهو يجمع ما بين الفكاهة والتمثيل والعزف الموسيقي والتنشيط، دأب على إحياء ذاكرة مغنين كبار بصموا الساحة الغنائية والموسيقية العالمية بأدائهم غير المسبوق وبلمستهم الموسيقية الخاصة، كـ”جاك بريل”، فضلا عن أسماء فكاهية كبيرة كـ”رايموند ديفو”.

مامون سالاج يستعد حاليا لتقديم سيرة مطربه المفضل ضمن عمل مسرحي بالدارجة المغربية، فكيف لا وخال مامون هو الطيب الصديقي، وبالتالي فليس المسرح بمجال غريب عنه، خاصة أنه يعتبر الصديقي والده الروحي وملهمه.

إنجاز: عزيز المجدوب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى