ملف عـــــــدالة

حدود استعمال السلاح بين التهور والدفاع عن النفس

خلفيات نفسية أو انتقامية وراء أغلبية جرائم حملة السلاح في المغرب

ما تزال حوادث إطلاق الرصاص من طرف بعض حملة السلاح في الأمن الوطني والدرك والجيش وموظفي السجون وغيرهم في تنام ملحوظ، ما يدل على أن هناك خللا ما، يستدعي فتح نقاش جدي على المستوى المركزي. والواقع أن توالي مثل هذه الحوادث، والتي كانت آخرها إقدام موظف بمديرية السجون على إطلاق الرصاص المطاطي على المدير، تحت وطأة ظروف نفسية، أصبحت تقض مضجع كبار المسؤولين في الدولة، وتولد هاجسا متناميا من استفحال هذه الظاهرة في البلد، وما يمكن أن تخلفه من انفلاتات مستقبلية.
وإذا كان القانون يسمح للشرطي باستعمال سلاحه الناري في إطار الدفاع عن النفس، فإنه وضع لذلك شروطا أقلها أن يكون الخطر جسيما، وموازيا للآثار التي يمكن أن يترتب عنها اللجوء إلى الرصاص، أي القتل أو العاهة المستديمة، وهو ما لا يمكن الحديث عنه في الكثير من الحالات المسجلة.

طنجة… من محاولة قتل
إلى محاولة انتحار

قبل حوالي ثلاث سنوات، تلقت المصالح الولائية للشرطة القضائية بمدينة طنجة تعليمات لإلقاء القبض على رجل أمن بتهمة «إطلاق الرصاص على رئيسه» في العمل. وصدرت التعليمات من لدن ممثل النيابة العامة لدى محكمة الاستئناف، لإجراء بحث معمق في القضية، قبل إحالة المتهم على العدالة للنظر في شأنه. وبعد عرضه على قاضي التحقيق تقررت متابعته في حالة اعتقال وإحالته على المحكمة بتهمة محاولة قتل رئيسه، خلال شجار نشب بينهما بسبب مشاكل وأحقاد متبادلة. غير أن غرفة الجنايات الاستئنافية ألغت، بعد جلسات ماراثونية، حكما يقضي بسجنه عشرين سنة، وقررت تبرئته من تهمة محاولة اغتيال رئيسه بعيارات نارية، بعد حوالي سنتين من الاعتقال.
وكانت غرفة الجنايات الابتدائية أدانت رجل الأمن الإدريسي، الذي التحق بسلك الأمن سنة 1990، وحكمت عليه بالسجن النافذ لمدة عشرين سنة، بعدما تابعه قاضي التحقيق من أجل محاولة القتل العمد باستعمال السلاح الناري مع سبق الإصرار والترصد والعنف والضرب والجرح في حق رؤساء ورجال القوة العمومية، خلال حادث إطلاق نار بمقر الولاية. ودخل الشرطي في إضراب مفتوح عن الطعام، وطالب بالاستماع إليه من طرف لجنة خاصة من المديرية العامة للأمن الوطني، للكشف عن «حقائق مثيرة»، وهو الطلب الذي تمت تلبيته بتعليمات من الشرقي الضريص، إذ زارته لجنة مختلطة تضم مسؤولين في ديستي والأمن الوطني والنيابة العامة، أطلعها على الرواية الحقيقية لما وقع.
وكشف رجل الأمن لأعضاء اللجنة أنه لم يكن ينوي قتل رئيسه، وإنما الانتحار بسبب مشاكل العمل التي تسببت له في أزمة نفسية شديدة، لكن تدخل عدد من موظفي ولاية الأمن لمنعه من ذلك، جعل الرصاصة تطيش وتخترق جدار أحد المكاتب، فلفق له محضر، وأحيل على النيابة العامة بتهمة محاولة اغتيال رئيسه. كما أخبر اللجنة بمجموعة من الحقائق الأخرى، من بينها تعرضه لاستفزازات وفبركة تقارير مغرضة، الأمر الذي أكده أثناء جلسات الاستئناف، ليتم تمتيعه بالبراءة.

مراكش… رصاصة طائشة
أم خلافات زوجية؟

وفي مدينة مراكش، المدينة الحمراء، تحول بيت أسرة شرطي إلى حمام دم، بعدما أشهر مسدسه في وجه زوجته، وفتح النار عليها بسبب «الترمضينة». وصدرت تعليمات فورية من النيابة العامة لدى محكمة الاستئناف بالمدينة من أجل وضع مرتكب هذه الجريمة، الذي كان يشتغل بالمنطقة الثالثة للأمن الوطني، رهن الحراسة النظرية، والتحقيق معه حول ظروف وملابسات إطلاقه الرصاص على زوجته قبل أذان الإفطار من أحد أيام رمضان 2008.  وذكر شهود عيان أن الضحية سقطت على الأرض وبدأت تتمرغ في دمائها جراء الرصاصة التي أصابتها في العنق. وبينما نقلت الزوجة المصابة إلى قسم المستعجلات بمستشفى ابن طفيل لتلقي الإسعافات الأولية، حضر الوكيل العام للملك وكبار المسؤولين الأمنيين بولاية أمن مراكش الذين عاينوا الجريمة.
وتعددت الروايات والآراء حول ما وقع، فهناك من عزا أسباب الحادث إلى خلافات ثنائية بين الزوجين، وشكوك بدأت تراود رجل الأمن، وهناك من اعتبر أن الشرطي كان مصابا باضطرابات نفسية، جعلته يقدم على إطلاق الرصاص، وهناك من ذهب إلى أن الجريمة وقعت عن طريق الخطأ، ويؤكد أن رجل الأمن كان ينظف مسدسه، عندما انطلقت الرصاصة بشكل طائش وأصابت زوجته عن طريق الخطأ.

سلا…  تراشق بالحجارة
والرصاص

وبمدينة سلا، أمرت النيابة العامة، قبل حوالي أسبوعين، بالإفراج عن رجل أمن يشتغل بالمنطقة الأمنية الثانية بالرباط، بعد أيام من التحقيق معه على خلفية إطلاقه الرصاص على شخص، وإصابته بجروح في القدم خلال شجار نشب بينهما خارج أوقات العمل.
واستندت النيابة العامة في قرارها على تعرض الشرطي لخطر مهدد، ولجوئه إلى إطلاق استعمال مسدسه في إطار الدفاع الشرعي عن النفس، خصوصا أن وقائع القضية، حسب ما ورد بمحضر الشرطة القضائية، كشف أن رجل الأمن، الذي يشتغل بالرباط ويقطن بمدينة سلا، توجه إلى متجر لاقتناء السجائر، وأثناء ذلك قام صاحب سوابق قضائية، كان في حالة سكر، بافتعال شجار معه، لأسباب تافهة، وشرع يستفز رجل الأمن بعبارات نابية، فشعر الشرطي بغضب كبير، وتشاجر معه.
ورغم تدخل المواطنين لفض الشجار، فإن المخمور استمر في محاصرته، محاولا النيل منه. كما تدخل عدد من رفاق المخمور، وهاجموا رجل الأمن، ورشقوه بالحجارة، وعندما شعر بحجم الخطر الذي يتهدده، أخرج سلاحه الناري، وفتح النار على مهاجمه، فتعرض الشخص الأول الذي كان يتشاجر معه لرصاصتين في الفخذ، فيما لاذ الآخرون بالفرار.
وبينما سارع الشرطي إلى تقديم نفسه إلى مصلحة الشرطة القضائية، وصدور قرار بوضعه رهن الحراسة النظرية، لإجراء بحث معه، حلت مختلف الأجهزة الأمنية والاستخباراتية بمكان الحادث، وباشرت تحريات وأبحاث ميدانية في مكان الحادث لمعرفة الرواية الحقيقية لملابسات الواقعة، كما استمعت عناصر أمنية إلى صاحب المتجر وعدد من المواطنين الذين حضروا الشجار. وبعد ذلك انتقلت الشرطة القضائية إلى المستشفى، وأنجزت محضر استماع إلى المصاب. لكن ظهور بعض الحقائق، ومن بينها تصريحات شهود والتأكد من أن الأمر يتعلق بمخمور صاحب سوابق، تقرر الإفراج عن الشرطي.

الحسيمة… فتح النار على الرئيس لرد الاعتبار
وفي مدينة الحسيمة، قبل سنة، أقدم دركي على إطلاق النار على زميل له في العمل يتقلد وظيفة نائب رئيس المركز، ليتم نقله فورا إلى غرفة العناية المركزة بمستشفى محمد الخامس جراء إصابته برصاصتين، إحداهما استقرت في صدره والثانية أصابته في إحدى ساقيه.
وترجع أسباب الخلاف إلى مشاكل عالقة بين ضابط في المنطقة وعدد من العناصر، الذين اتخذت في حقهم إجراءات إدارية صارمة، الأمر الذي خلف حالة من الغضب والاستياء في صفوف عدد من الدركيين بمدينة الحسيمة.
ومباشرة بعد ارتكابه الجريمة، قرر الدركي تقديم نفسه إلى كبار الرؤساء، لتوفير الحماية له من أي محاولة انتقام، معتقدا أن رئيسه في العمل لفظ أنفاسه، قبل أن يتبين، لاحقا، أنه ما يزال على قيد الحياة، وأنه أصيب في قدمه فقط، كما أن حالته مستقرة.
وتفجر الخلاف بين المسؤول الدركي وعدد من مرؤوسيه، بعد الزج بعدد منهم في السجن المخصص لاعتقال الدركيين إداريا بالقيادة الجهوية للدرك، وهو ما أثار استياء جميع العناصر، الذين اعتبروا أن قرار الزج بزملاء لهم في سجن غير نظامي، ودون إذن من السلطات القضائية، أو الإدارة المركزية، يعتبر خرقا سافرا للقانون.

محمد البودالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق