افتتاحية

عناد

لم تتجاوز الخطوط الملكية المغربية وجمعية الربابنة عنق الزجاجة، وسياسة “لي الذراع” حوَلت الإضراب إلى أزمة على مستوى الرحلات من مطارات المغرب والخارج، وسببت خسائر مالية كبيرة، ومستقبلا غامضا، قد يقود في ظل التعنت، إلى كوارث اجتماعية.
لابد من الاعتراف أن هناك خللا في إدراك دلالات الحوار الاجتماعي بالمغرب، وأزمة “رام” صورة لما تعيشه مقاولات ومؤسسات عمومية يصبح فيها الضغط والعناد والأنفة مرادفا لتحقيق المطالب، أما التنازلات والسلم، فتلك أحلام لا يؤمن بها النقابيون وأرباب المقاولات، وطاولات الحوار هي جلسات للصم والبكم، كل جهة تتشبث بمطالبها، ولو أدى ذلك إلى الهلاك.
تعصف أزمة “رام” مع الربابنة بأجواء الثقة بين الطرفين، وأعين المستثمرين والفاعلين الاقتصاديين تترقب نهاية النفق في علاقة غير متكافئة، الخاسر الكبير فيها اقتصاد وصورة المغرب، ومئات الأشخاص الذين ربما يلتحقون بالعاطلين في حال إقبار الحوار الاجتماعي، مادام الربابنة يتشبثون بمواقفهم، ولا يأبهون بتداعيات ذلك اجتماعيا.
لنتحدث بصراحة، ماذا سيجني الربابنة إذا ما توقفت طائرات “رام” عن التحليق؟ بالأرقام خسرت الشركة 36 ألف زبون مغربي وأجنبي، 53 في المائة منهم اضطروا إلى إلغاء حجوزاتهم لدى الناقل الجوي الوطني، وخسائر مالية ضخمة قدرت بأزيد من 410 ملايين درهم (41 مليارا)… وهي أرقام في ارتفاع مستمر يضع طائرات “رام” في قلب عاصفة الإفلاس.
في الوقت الذي كانت المؤسسة العمومية تفرض نفسها في السوق العالمي، حيث المنافسة تشتد بقوة وبإمكانيات مالية هائلة، أصبحت، الآن، تكافح للتقليل من خسائرها المالية، فالربابنة اعتقدوا أن الأولوية تتمثل في تحقيق مطالبهم، ولو كانت مستحيلة، والشركة وجدت نفسها أمام خيارين: إما الزيادة في الأجور أو استمرار الإضراب، وكلا الحلين يقودانها إلى الإفلاس، رغم ما تحمله هذه الكلمة من قسوة وظلم لمكانة الشركة في ذاكرة المغاربة.
يُشهد للربابنة المغاربة بالكفاءة عالميا، وفي حال إغلاق أبواب الشركة، لا شك أن كبريات شركات الطيران العالمية ستتهافت للاستعانة بخبرتهم، لكن العمال والمستخدمين وعشرات المضيفين سيلتحقون بأفواج العاطلين، مع ما يعني ذلك من أزمة اجتماعية جديدة.
كان لابد للربابنة تفهم الوضعية المالية للشركة بدل سياسة العناد ولي الذراع، والتخلي عن مطالبهم الغريبة، فالتشبث بالسكن في “فنادق تجمعهم بالمضيفين”، طلب يثير الدهشة، والحرص على عودة مدرسة تكوين الربابنة إلى المغرب، إجحاف في حق مسؤولين انتبهوا إلى أن انتقاء الربابنة أصبح توريثا ويفقدهم الكفاءة.
لقد حان الوقت لإعادة طائرات “رام” إلى التحليق وسط سحب الثقة وإعادة “جدولة” المطالب، وتفهم، أحيانا، مجهودات الربابنة، والتوفيق بين مصالحهم ومصالح الشركة، في إطار الحوار، بعيدا عن التشنج.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق