بانوراما

الزليليك … كاريان على أنقاض مقلع

الكاريانات … ذاكرة تقاوم المحو 7

لا تجثث معاول الهدم، التي تنشط، هذه الأيام، بعدد من الكاريانات ودواوير الصفيح بالمغرب “آخر براكة” تحقيقا لمشروع “مدن دون صفيح”، بل تشطب على جزء أساسي من تاريخ المغرب الحديث وذاكرة جماعية طافحة بالأحداث والأسماء والصور والشهادات، يجتهد بعض الباحثين والأساتذة الجامعيين في الحفاظ عليه بصعوبة كبيرة.

نشأ دوار الزليليك أكبر التجمعات الصفيحية بإقليم مولاي يعقوب، على أنقاض مقالع الرمال والحجر، قبل أن يتوسع على مسافة مهمة على مرمى حجر من سجن بوركايز، في الطريق إلى منطقة رأس الماء بجماعة عين الشقف، حيث امتزجت مرارة حياة قاطنيه طويلا بكوابيس القهر والتهميش والإقصاء، قبل محو أثره جزئيا.

قرب “السقاية” تزود السكان بماء مشكوك في جودته، وقف عبد الإله بنكيران رئيس الحكومة السابق، ذات يوم يخطب ود سكان أضنتهم قساوة العيش وطول انتظار فرج، بدا بعيدا على الأقل بالنسبة لفئة منهم، ما زالوا في انتظار أن يرأف قلب السلطة لحالهم، بعد استثنائهم لأسباب مختلفة من الاستفادة من إعادة الإسكان.

حينها صفق الحاضرون بحرارة لوعود لم تخرج كليا الدوار من هامشيته، وهو الذي لا ينتج إلا عتاة المجرمين ممن يبحثون عن عيشهم في السرقة أو تجارة المخدرات بمختلف أنواعها، أو متطرفين مغرر بهم، بعضهم انسل إلى جبهات القتال في صفوف داعش بسوريا والعراق، وبينهم شاب ترأس جمعية، أسمع رئيس الحكومة آنئذ، لائحة بمطالب سكان مقهورين.

إعادة إسكان سكان هذا الجيب الصفيحي الأكبر والأهم والأقدم، المقدر عددهم ب5974 نسمة حسب إحصاء 2004، لم تكن شاملة لكل البراريك بالدوار التابع لمشيخة رأس الماء، بعضها ظل جاثما بالمكان، بعد مدة طويلة من توزيع عدة بقع أرضية على مراحل، في إطار برنامج لمحاربة السكن العشوائي استفادت منه نحو ثلاثة آلاف أسرة قاطنة.

هذا العدد الهائل من الأسر قاطنة الدوار أكبر الأحياء العشوائية بمحيط فاس، تجمعت عبر مراحل تاريخية مختلفة بالموقع القريب من مقالع الرمال، سيما من المياومين فيها ممن استقروا قريبا تسهيلا للتنقل، قبل أن تجتاحه جحافل الباحثين عن بقع أرضية بعضهم خلال السنوات الأخيرة التي أعقبت إحصاء السلطة للقاطنين في مراحل مختلفة.

طيلة أكثر من خمسة عقود، ظل الدوار نقطة استقطاب وجذب لأسر مهاجرة من قرى مجاورة اختارت فاس موطنا للاستقرار، أملا في شغل ينعش جيوب أفرادها، واستقرار فقدته في بوادي أضحت بلا حياة، بفعل تناسل عدة عوامل مرتبطة بشح الأمطار والجفاف الذي ضرب مصدر عيشها الفلاحي.

الدوار يبدو حاليا أشبه بأطلال وبقايا براريك أفرغت من قاطنيها وأخرى صامدة في انتظار إيجاد حلول عملية للمستثنين من الاستفادة، على إيقاع احتجاجات دامت طويلا لنحو 100 أسرة غالبيتها مركبة في انتظار “غودو” يخلصها من واقع القصدير و”الحكرة” في براريك وضيعة، قبل تلقيها وعودا من العامل بتسوية الوضع في أقرب الآجال.

وفي انتظار الانتهاء كليا من تفعيل البرنامج ومحو أثر الدوار المفتوح على فضاء واسع ممتع للعين، يعتبر الزليليك نقطة عمرانية سوداء شاهدة على حياة بؤس وعذاب عشرات الشباب، عاشوا واقع الفقر المدقع والبطالة القاتلة للطموح في نفوسهم المحبطة في غياب فرص الشغل والآفاق الواعدة بخارطة طريق، تخرجهم مما هم فيه من دمار نفسي.

حميد الأبيض (فاس)

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق