الصباح السياسي

ميزانية 2012… تكريس التوجه الاجتماعي

حصر عجز الميزانية  في معدل 5 في المائة من الناتج الداخلي الاجمالي

وضعت حكومة بنكيران حدا لجدل أثارته المعارضة طيلة الأسابيع الماضية، حول تعطيل المؤسسات، بسبب التأخير في تقديم مشروع ميزانية 2012 إلى البرلمان قصد الدراسة والمصادقة. لم تجد المعارضة قضايا أخرى تنتقد بها الحكومة الحالية، أكثر من  هذه القضية المتعلقة بهذا التأخير، وإن كان الأمر طبيعيا، بحكم الظروف والملابسات التي واكبت الاستحقاقات الانتخابية، وتشكيل الحكومة الجديدة، ثم إن المسألة ليست جديدة بل لها سوابق، ويبقى الأهم أن المؤسسات واصلت اشتغالها، حتى في غياب قانون للمالية.
بعد ثلاثة شهور من تشكيلها، عرضت الحكومة  مشروع قانون المالية لسنة 2012، وهو قانون أعدته الحكومة السابقة، ولم تعمل الحكومة الجديدة سوى على تحيين بعض مضامينه، أخذا بعين الاعتبار التحولات والمتغيرات التي طرأت، في الأسابيع الأخيرة، خاصة في ما يتعلق بارتفاع سعر النفط، ومراجعة وتيرة النمو.

ملامح ميزانية “تقشفية”
أعلنت الحكومة من خلال مشروع الميزانية، أنها ستتخذ مجموعة من التدابير في أفق حصر عجز الميزانية  في معدل 5 في المائة، من الناتج الداخلي الاجمالي، بهدف تعزيز استقلالية  القرار الاقتصادي، وذلك عبر اعتماد سياسة إرادية لترشيد النفقات العمومية تتمثل في تخفيض 50 في المائة من النفقات المتعلقة بالفندقة والإيواء، والاستقبال وتنظيم الاحتفالات الرسمية، وعقلنة إنجاز الدراسات، وحصر نفقات التسيير الأخرى في حدود الحاجيات الملحة للإدارات. وأكد نزار بركة خلال تقديمه للمشروع أمام مجلسي البرلمان، الخميس الماضي أن الحكومة حريصة على استعادة التوازنات الماكرة اقتصادية والمالية في ظل إكراهات الظرفية الدولية والوطنية، واعتماد آليات من أجل ضمان مسار سليم للمالية العمومية، يمكن من حصر عجز الميزانية في حدود 3 في المائة من الناتج الداخلي الخام في أفق 2016.

دعم القطاعات الاجتماعية
أكد بركة أن المشروع، من منطلق أهمية التوازنات الاجتماعية في ضمان كرامة المواطن واستقرار المجتمع وتماسكه، يولي أهمية كبيرة لتطوير وتفعيل البرامج الاجتماعية، بما يضمن الولوج العادل إلى الخدمات الأساسية، خصوصا التعليم والصحة والسكن، ويكرس مبادئ التضامن وتكافؤ الفرص.
ودعما للقدرة الشرائية للمواطنين، أعلن بركة أنه سيتم العمل على تنفيذ اتفاق 26 أبريل 2011، في إطار الحوار الاجتماعي الذي رصد له غلا ف مالي تجاوز 13.2 مليار درهم، بالموازاة مع التحكم في نسبة التضخم في حدود 2 في المائة. وأعلنت الحكومة أنها ستواصل دعمها لأسعار  المواد الأساسية، عبر تخصيص 32 مليار درهم، إضافة إلى مواصلة الإصلاح التدريجي لنظام المقاصة، أخذا بعين الاعتبار تأثيراته الاجتماعية والموازناتية، بالموازاة مع تفعيل آليات الاستهداف المباشر للفئات المعوزة.
وكشفت الحكومة حرصها على سن سياسة تضامنية تضمن التوزيع العادل للمجهود الوطني، وهو ما يتجسد في إحداث صندوق دعم التماسك الاجتماعي باعتمادات تقدر بـ2 مليار درهم. وسيتم تخصيص هذا الصندوق لاستهداف الفئات الضعيفة، من خلال المساهمة في تمويل العمليات المتعلقة بنظام المساعدة الطبية، الذي يرتقب أن يشمل حوالي 8.5 ملايين شخص ينتمون إلى الشرائح المعوزة. ولأول مرة، في إطار هذا الصندوق، سيتم استهداف الأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة. وسيتم تمويل هذا الصندوق، عبر مساهمة تضامنية برسم سنة 2012، من طرف  الشركات التي يساوي أو يفوق مبلغ ربحها الصافي 200 مليون درهم، بنسبة 1.5 في المائة، إضافة إلى رفع الرسم الداخلي على استهلاك التبغ بـ1.6 في المائة.
وبالنظر إلى الأولوية التي يحظى بها موضوع التشغيل وإدماج حاملي الشهادات في البرنامج الحكومي، يقترح مشروع قانون المالية لسنة 2012، خلق 26204  منصب مالي،  ستُخصص 45 في المائة منها لقطاعات التعليم والصحة والعدل.  
ويحظى قطاع التعليم، بما فيه التعليم العالي، بحصة الأسد من مناصب الشغل المحدثة، إذ خصصت له 7500 منصب، متبوعا بقطاع الصحة بـ2.000 منصب شغل، والعدل (1.000)، ثم إدارة السجون(800 منصب).  
وتكريسا لتوجهها الهادف إلى دعم القطاعات الاجتماعية، استفاد قطاع التربية والتكوين من اعتمادات مالية تناهز 42 مليار درهم، ستخصص أساسا، للارتقاء بمهام المدرسة الوطنية، ومتابعة عملية توسيع العرض المدرسي. ويصل الغلاف المالي المخصص لقطاع الصحة إلى 12 مليار درهم، ستوجه لرفع جودة الخدمات الصحية، وتحسين الاستقبال، وتوفير الرعاية الأولية، وتحديث العرض الاستشفائي، خاصة قطاع المستعجلات، وتحسين المؤشرات الصحية الوطنية، المتعلقة، خصوصا بصحة الأم والطفل.
وحظي قطاع السكن بغلاف مالي قدره 3 ملايير درهم، سيوجه جزء منه إلى السكن منخفض التكلفة، واتخاذ تدابير جبائية تحفيزية بالنسبة إلى السكن الاجتماعي المخصص للكراء، لتمكين المواطنين من الاستفادة من سكن لائق بثمن لا يتجاوز 1200 درهم في الشهر.

فــرضيـــات “حـــــــذرة”
يقوم مشروع ميزانية 2012، على فرضيات تتمثل في تحقيق نسبة نمو ستناهز 4.2 في المائة، مع حصر نسبة التضخم في ما دون  2.5 في المائة، وعجز الميزانية في حدود 5 في المائة،  ومتوسط سعر البترول في 100 دولار للبرميل. تتحدد الأهداف الأولوية للمشروع في تفعيل الإصلاحات المؤسساتية، وتوطيد مبادئ وآليات الحكامة الرشيدة، وتمتين أسس النمو القوي والمستدام في إطار ماكرو اقتصادي مستقر، إضافة إلى تحسين ولوج المواطنين إلى الخدمات والمرافق الأساسية في إطار سياسة اجتماعية متضامنة.
وفي ما يتعلق بتعزيز وتيرة النمو، تتجلى أولويات الحكومة في دعم الاستثمار المنتج والضامن لفرص الشغل، من خلال تكثيف الاستثمار العمومي، الذي يُرتقب أن يعرف نموا بقيمة 21 مليار درهم، ليبلغ 188.3 مليار درهم. وسينصب المجهود الاستثماري للدولة  على تفعيل الاستراتيجيات القطاعية بهدف تنويع وتحديث البنيات الإنتاجية، وإحداث مناصب الشغل، وتعزيز قدرات المغرب التصديرية والتنافسية.

جمال بورفيسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق