fbpx
بانوراما

قطبي … هجرة اضطرارية

قطبي … لعبة الفن والحياة 7

خلف الوجه الطفولي والنظرات المليئة بالحماس والاندفاع، تستتر تفاصيل حياة قاسية مليئة بغرائب المفاجآت والصدف، التي قادت طفلا فقيرا من حي التقدم بالرباط لتسيد كبريات المعارض والأروقة الفنية عبر العالم. في هذه الحلقات، يحكي قطبي عن “ومضات” في مسار حياته ومحطات فارقة، رسمت طريقه من العاصمة إلى أرقى الأحياء الباريسية.

حصلت على الباسبور خلال ساعتين وسفير إيطاليا منحني 100 درهم قبل السفر للدراسة في فرنسا

كنت أواجه قسوة الزمن بالألوان والريشة في مدرسة “الي رينيه” للفنون الجميلة بالرباط، إلى أن قررت ذات ليلة الهجرة نحو آفاق أوسع وأرحب، فاستقر بي الحال باحثا عن استصدار جواز سفر لي في 1969، حين كان الحصول على هذه الوثيقة صعب المنال، لأسباب سياسية وأمنية كانت أكبر من فكري المتواضع آنذاك.
وفي كل مرة كان المحجوبي أحرضان سندي، إذ لجأت إلى خدمات “سي عالم”، كاتب الدولة في الداخلية آنذاك، تعرفت عليه قبل ذلك في مكتب أحرضان، وطلبت منه تسهيل مهمتي في الحصول على جواز سفر، فكانت ورقة مكتوبة بخط يده مفتاح جميع الأبواب الموصدة، لأحصل على هذه الوثيقة في ظرف ساعتين، بعد أن قصدت مساعد عامل في الرباط. فرحت جدا بعد تسلمي “الباسبور”، وشرعت في نسج تفاصيل رحلة أسطورية بالنسبة إلي، قبل أن تطأ قدماي فرنسا.

المال ظل مشكلتي الكبيرة حينها، إذ شرعت في جمع ما استطعت من مال إلى جانب ما ادخرته من بيع لوحاتي للأجانب، وحتى سفير إيطاليا بالمغرب آنذاك منحني 100 درهم، وهو مبلغ كبير للمناسبة خلال تلك الفترة، ساعدني على تدبر مصاريف السفر إلى فرنسا، التي قررت الرحيل إليها، لدوافع تتجاوز الهجرة من أجل تأمين مستقبل مادي صرف، إلى الانسلاخ عن ماض أرغب في نسيانه حقا. إنها ببساطة هجرة اضطرارية.

وددت الرحيل إلى بلد لا أحد فيه يسألني عن هوية أبي العامل البسيط في مستشفى، أو أمي المنظفة في البيوت، أو عن أصلي والطبقة الاجتماعية التي أنتمي إليها. وصلت إلى باريس أكاد لا أحمل معي فرنكا، فابتلعتني هذه المدينة الكبيرة وعصفت بفرص اندماجي في البلد، قبل أن أفر مكرها إلى “تولوز”، هناك وجدت أرضية ملائمة أستطيع الارتكاز عليها، إذ التحقت بمدرسة للفنون الجميلة، وشرعت في صقل موهبة فنية فطرية، لم أكن أدرك أبعادها العلمية آنذاك.

قضيت ثلاث سنوات في المدينة، قبل أن أتوج بدبلوم في الفنون الجميلة، باعتبار أنني أصغر خريج في فرنسا يحصل على هذه الشهادة، لكن الطريق لم تكن مفروشة بالورود، إذ مررت بفترات صعبة بسبب محدودية إمكانياتي المادية حينها، كان أستاذي “دانييل شانتون” سندي وعوني الوحيد عليها، إذ دأب على تنظيم معارض فنية صغيرة لفائدتي، استطعت من خلالها تسويق بعض لوحاتي بأسعار تراوحت بين 120 فرنكا فرنسيا وألف فرنك.

بدر الدين عتيقي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى