fbpx
منبر

الأسباب الحقيقية للأزمة النقدية والمالية الدولية

إن العملة باعتبارها علاقة اجتماعية هي مثل غرفة الأصداء لمختلف الإرهاصات التي تتم خلال اليوم حول توزيع الثروات بين مختلف العناصر الاقتصادية. ويتعلق الأمر بالتركيز على وضع العملة داخل علاقات النزاعات بين أصحاب الأجور والمقاولين وبين الصناعيين والمصرفيين.
إن قوة العملة تظل رهينة الأداء الجيد للاقتصاد، وسوف ندرس كيف تقوم العملة بشكل

ملموس بتسجيل العمليات المتعلقة بمختلف مكونات عملية الإنتاج والتوزيع، ولا تكتفي العملة بهذا الدور السلبي ولكنها تتفاعل بنفسها مع هذه المتغيرات.
إن مسألة معدل الصرف الأقصى أو التوازن هو أمر ملح لجميع الاقتصاديين المختصين بالمسألة، وكذلك القادة السياسيين الذين لا يعرفون كيف تتلاءم السياسات الاقتصادية والنقدية مع مستويات سعر الصرف الذي يتوجب أن ينسجم مع التوازن الداخلي والخارجي.
الأزمة المالية الدولية الحالية يتوجب معالجتها بشكل متلازم من خلال وضع ضوابط أكثر صرامة للأوراق المالية والأصول المالية، وجعل نشاطات صناديق الاحتياط وصناديق المضاربة الأخرى أكثر شفافية مع السيطرة على درجة الخطر، وتأميم وكالات التصنيف الائتماني والحد من سيطرتها، واتخاذ تدابير صارمة ضد الملاذات الضريبية، مواطن لإيداع الأموال التي تأتي من مصادر غير معروفة والمصارف التي تحتفظ بحسابات سرية والصناديق وشركات أخرى متعددة الجنسيات.
كما يتوجب تنظيم وتحديد سقف لمكافآت مديري الشركات الكبرى والمصارف العابرة للحدود الوطنية بحيث  لا تتجاوز40 ضعفا لمتوسط الآجر. والمديرون الذين يمنحون علاوات على شكل أسهم لا بد وان يفهموا من الآن  فصاعدا بأن الجشع لم يعد مقبولا، وإصلاح طريقة وضع المكافآت للمضارين الذين يربحون في كل معاملة وعدم بخس قيم الأسهم من أجل تحقيق الربح، وإنشاء مجلس للاستقرار المالي ليحل محل منتدى عدم الاستقرار المالي، ويتوجب أن يحظى هذا المجلس بسلطات حقيقية للسيطرة والإلزام وإنزال العقوبات، ويجب أيضا أن تكون له سلطة التحذير من الأخطار والأزمات المنتظمة.

التكامل الاقتصادي والنقدي المغاربي
إن الهدف من التكامل الاقتصادي والنقدي المغاربي قد يبدو طموحا وغير مناسب مع الزمن لدى البعض في ضوء الصراع الجيوستراتيجي الذي تعيشه دول المغرب العربي منذ أكثر من ثلاثين عاما. وعلى العكس من ذلك، تتوق الشعوب والقوى الحية إلى الاتحاد والدليل على ذلك إنشاء الجمعيات المهنية المغاربية في مختلف المجالات (الخدمات المصرفية والاقتصادية والثقافية والقانونية والرياضية والنقابية، وإدارات أرباب العمل..).
إن إثارة إمكانية تحقيق اتحاد اقتصادي ونقدي على المستوى المغاربي ليست فكرة طوباوية ولكنها تصور جدي وواعد لصالح الأجيال المقبلة، وإن القادة السياسيين الذين قد يأخذون زمام المبادرة لتخطيط مثل هذا البناء قد يتركون بصماتهم في تاريخ هذه المنطقة والإقليم الكبير بأسره. وإن مثل هذا التصور هو أحد عوامل التنمية الاقتصادية ويؤدي إلى إيجاد فرص عمل ويولد حيوية في تعبئة الموارد البشرية والمادية  من أجل تحقيق السلم والاستقرار الاجتماعي.

شراكات اقتصادية عربية في مراحل عدة
لقد تصورت شراكات عربية في مراحل عدة. أولها تحقيق جماعة اقتصادية مغاربية مع عملة مشتركة. ثم التفاوض مع مصر وعقد اتفاقات معها للتجارة الحرة  مثل الاتفاقات بين تجمع الاسيان ASEAN والصين. دول المغرب العربي الخمس تضم 83 مليون نسمة، ومصر تضم ما يقرب من 80 مليون نسمة. إنها كتلة دول المغرب العربي تتفاوض مع أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان. والخطوة الثالثة في رأيي، والتي بدأت ترتسم هي لتعاون في مجال رؤوس الأموال مع دول الخليج. وإذا كانت عملية التكامل المغاربي قد أطلقت، فإنه لابد أن تدخل مرحلة العمل على الفور، واقتراح سوق موحدة على دول مجلس التعاون الخليجي تمتد من المحيط الأطلسي إلى بنغازي.
يجب ان ترجع أموال الصناديق العربية السيادية للاستثمار من الأسواق المالية الدولية، المحفوفة بالمخاطر على نحو متزايد مع شكوك كبيرة حول الأنظمة المصرفية، وديون الدول الأوروبية والأمريكية والدولار الذي يفقد قيمته بسبب عملية ما يعرف باسم QE2 (التخفيف الكمي 2) الذي يعتمد علي ضخ 600 مليار دولار في النظام المالي. والنتيجة لم تكن استثمارا إنتاجيا وخلق ثروة حقيقية، ولكن لإطلاق العنان للمضاربة في المواد الأولية ومشتقاتها، وهو ما خنق النمو الاقتصادي العالمي وزاد من تدني القوة الشرائية للناس. والدول بدورها لا بد أن تدعم المواد الأساسية لتلبية مطالب الشارع، ومن هنا تأتي زيادة وانفجار العجز العام.
لقد حان الوقت لرؤوس الأموال العربية أن تستثمر في القطاع الإنتاجي الحقيقي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وبالتالي تتخلص من وصاية أوربا والولايات المتحدة. المفاوضات المنفصلة بين الجزائر والمغرب من جهة والاتحاد الأوربي من جهة أخرى، يبين بوضوح صدق القول المأثور في الاتحاد قوة.
حان الوقت لطي صفحة مبدأ كل يعمل لنفسه، من أجل الحصول على أقصى قدر من المكاسب الفردية. ظهور العولمة وبروز قوى جديدة في العالم مثل الصين والهند وسيادة روح عدم التعاون من طرف الولايات المتحدة، هي من الحوافز القوية التي تدفع لتكوين تجمعات إقليمية جديدة بما في ذلك منطقة المغرب العربي. إن العضوية في مجلس التعاون الخليجي نعم، لكن بشرط وضع هدف التكامل الاقتصادي المغاربي في المنظار.

الدكتور كميل الساري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى