fbpx
ملف عـــــــدالة

لوبيات بمرافق الدولة تشجع حوادث الشغل الوهمية

الموساوي المحامي بهيأة الرباط دعا الحكومة إلى مواجهة مافيا صناعة هذه الملفات

أكد الأستاذ رشيد الموساوي، عضو هيأة المحامين بالرباط، والباحث في الشؤون القانونية، ارتفاع وتيرة حوادث الشغل الوهمية،

في القضايا المعروضة أمام مختلف محاكم المملكة،
وتقاطر عدة شكايات تقدمت بها شركات التأمين على المحاكم في مواجهة مافيا صناعة هذه الملفات، والتي أضحت تثقل كاهل الدولة
والعدالة بعقد جلسات يومية مستمرة في حوادث الشغل وحوادث الطريق الوهمية .

< بصفتك محاميا رافعت في قضايا مماثلة، ما هي استنتاجاتك من ظاهرة حوادث الشغل الوهمية؟
< لتوضيح هذا الأمر بشكل جيد ودقيق لابد من الإشارة إلى نموذج هذه الحوادث من خلال الشكايات المرفوعة من طرف شركات التأمين إلى الجهات القضائية المختصة في جرائم الأموال وتبييضها، وهذا ما سنتطرق إليه في المحور الأول، ثم نعود في محور ثان لنقدم بعض الحلول للقضاء على هذا النوع من الفساد.
بخصوص المحور الأول (نموذج حوادث الشغل الوهمية) نعطي مثالا عن ذلك بإحدى المؤسسات العاملة في النقل العمومي، والتي أغلقت أبوابها بتاريخ 01-11-2009، وفسخت العقد المتعلق بحوادث الشغل مع شركة التأمين في التاريخ نفسه، وقامت برفع شكاية إلى شركة التأمين مفادها أن مجموعة من العمال بمساعدة بعض الاختصاصيين يقومون بإعداد ملفات وهمية تهم حوادث شغل لا وجود لها في الواقع انطلاقا من تزوير التصريح الإداري والشهادات الطبية وشهادات الأجر إلى غاية صدور أحكام في الموضوع. وتأكدت شكوك شركة التأمين المشتكية حول تكاثر ملفات حوادث الشغل بشكل مشابه وغير مسبوق وأعطت أمثلة عن ذلك من خلال عشرات الملفات الوهمية التي عرضت على المحاكم بعدة مدن مغربية، من بينها القنيطرة وخريبكة والرباط وسلا…إلخ.
وأوضحت الشركة أنه بعد تعميق البحث بواسطة أجهزتها المكلفة بمحاربة الغش تم الوقوف على أمور خطيرة جدا، ومن بينها أن التصريحات تتضمن بيانات خاطئة وناقصة ولم يتم وضعها بشكل رسمي لدى مصالح العمالة المختصة في حوادث الشغل، وأن طابع الشركة المشغلة مزور، إضافة إلى أن الضحايا المزعومين لم يكونوا في تاريخ التصريح يعملون لدى الشركة، وأن بعض أصحاب البذلة البيضاء ساهموا بشهادات مزورة لإكمال هذه الملفات المفبركة، ذلك أن كل الشهادات الطبية الصادرة عنهم تحمل نسبة عجز تصل إلى 9 في المائة، علما أن هذه النسبة هي أعلى معيار للحصول على تعويض مهم على شكل رأس مال يسلم دفعة واحدة ومباشرة للضحية المزعوم، وليس على شكل إيراد عمري كمنحة تسلم للمصاب كل ثلاثة أشهر علما، أن المنحة المذكورة تكون بسيطة إلا إذا تعلق الأمر بإصابات خطيرة تفوق نسبتها 70 في المائة.
وقالت المشتكية إنها تعرضت لضرر كبير بسبب الأحكام التي صدرت بخصوص الحوادث الوهمية قبل اكتشافها التزوير والتلاعب، وأوضحت أن الأمر يهم عصابة خطيرة تستعمل كل وسائل التزوير والتدليس والنصب للوصول إلى تخريب الاقتصاد الوطني والحصول على أموال باهظة غير مستحقة من خلال ارتكاب الفاعلين والمشاركين جرائم النصب وتقديم بيانات كاذبة وإعطاء شهادات مزورة وتكوين عصابة إجرامية والتزوير طبقا لفصول القانون الجنائي 293 و294 و360 و540 و248 و264، الشيء الذي دفع بمحاكم حوادث الشغل حاليا إلى إيقاف البت في حوادث الشغل الوهمية إلى حين انتهاء التحقيق على يد الشرطة القضائية وتقديم الجناة أمام المحاكم المالية المختصة. وقد سبق لجريدتكم «الصباح» أن كشفت عن هذا النوع من الحوادث الوهمية في عددها المؤرخ في 01-03-2011، بخصوص إحدى المافيات العاملة في حوادث شغل وهمية في محور سلا الرباط القنيطرة، وأن هناك من الضحايا المزعومين من صرح أنه يجهل حدوث أي حادثة شغل، وأكد أنه لم يقدم أي دعوى قضائية بخصوص تعرضه لحادثة شغل، إضافة إلى مجموعة من المقالات الصحفية نشرت بجرائد أخرى حول تفاصيل أكبر عملية افتعال حوادث طريق وهمية بالمغرب بمدينتي خريبكة والقنيطرة.
< ولكن ما هو الحل الفعال للقضاء على الحوادث الوهمية؟
< للحد من هذه الظاهرة الخطيرة التي تنهك الاقتصاد الوطني وتثقل كاهل القضاة وكتاب الضبط والتقنيين وكل الأطراف المتدخلة في قطاع العدل من أطباء ومحامين وإداريين شرفاء ونزهاء يعانون التهميش والإقصاء جراء تناسل مافيا هذا النوع من الملفات، فإنه يمكن أن نعطي بعض الحلول في انتظار أن ينكب المسؤولون الحكوميون وباقي الجهات المتدخلة على بلورة إستراتيجية متكاملة للقضاء على الفساد والمفسدين صانعي الملفات الوهمية وناهبي المال العام.وهكذا سأشير إلى الإجراءات الممكنة للقضاء على الظاهرة، ومن بينها إسناد تلقي التصريحات بخصوص حوادث الشغل إلى جهة قضائية تكون هي مصلحة كتابة الضبط بكل محكمة ابتدائية بواسطة المصاب نفسه أو ذوي حقوقه في حالة الوفاة أو في حالة العاهة المستديمة التي يكون معها الضحية غير قادر على التواصل والحضور أمام المحكمة، وأن يكون هذا التصريح مصحوبا بتصريح الشركة المشغلة ومؤشرا عليه من طرف شركة التأمين. وأن يكون الجميع تحت إشراف رئيس غرفة حوادث الشغل بالمحكمة الابتدائية، ثم التأكد من هوية المصاب ومن لجروحه من طرف المصلحة الطبية التابعة لوزارة الصحة بمكان وقوع الحادثة، على أن يضم الملف الطبي إلى التصريح المشار إليه أعلاه.
ولتحقيق ذلك، يجب أن تسند الخبرة الطبية القضائية إلى أطباء مختصين في حوادث الشغل دون أي تمييز بينهم بخصوص جميع ملفات حوادث الشغل المعروضة أمام المحاكم، وإجراء تغييرات موسمية في شعب حوادث الشغل كل ثلاث سنوات سواء بالنسبة إلى الموظفين أو القضاة لتجديد الكفاءات والنخب وتعميم الفائدة على كل العاملين في قطاع العدل.
أيضا هناك إجراء آخر له أهميته، وهو تنظيم المساعدة القضائية في حوادث الشغل وحوادث الطريق بإسناد أمر التوزيع العادل لهذه الملفات بين المحامين من طرف أجهزة النقيب ومجالس الهيأة ومحاربة احتكار ملفات الحوادث من طرف قلة قليلة من أصحاب البذلة السوداء الذين راكموا أموالا طائلة بغير وجه حق، ومنع تقديم أي مقال يخص حادثة شغل مباشرة إلى صندوق المحكمة إلا من خلال مسطرة التصريح القضائي المشار إليها في البند الأول والبند الثاني أعلاه. كما ندعو إلى إخضاع أطباء حوادث الشغل لمسطرة المراقبة والتجديد كل خمس سنوات، مع التوزيع العادل لملفات الخبرة بينهم تحت إشراف رئيس غرفة حوادث الشغل، وإحداث مديرية تابعة لوزارة العدل والحريات مختصة في قضايا حوادث الشغل وحوادث السير والتأمينات، مع إسناد اختصاص النظر في قضايا الحوادث الوهمية إلى المحاكم المالية وإلى محاكم الرباط، عندما يتعلق الأمر بتبييض الأموال أو محاولة تبييضها بواسطة حوادث وهمية.
ويجب الالتفات أيضا إلى محاربة الفساد داخل أجهزة شركات التأمين ومنع الصلح المباشر مع المصابين وذويهم إلا عبر سند الصلح الذي تؤشر عليه المحكمة الابتدائية المختصة بحضور الضحية، وبعد معاينة الضرر الذي أصابه بواسطة خبرة طبية تأمر بها المحكمة وليس عن طريق أطباء شركة التأمين الذين يكونون حكما وخصما في آن واحد في مساطر الصلح.
وأخيرا فإنه لابد من محاربة الفساد والمفسدين في كل الملفات والحوادث الوهمية، سواء في قطاع العدل أو في الصفقات العمومية أو في قطاعات التعمير والنقل وغيرها من القطاعات الحكومية، وأن يتعاون الجميع من أجل بناء دولة الحق والقانون.
وأقول لأولئك المفسدين جميعا، سواء في القطاع الذي نتحدث عنه أو في باقي المجالات الحكومية، «ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء». وأرجو ختاما من المسؤولين الحكوميين أن يدمجوا هذا النوع من الفساد ضمن برامجهم الحكومية مستقبلا، لأن هناك الملايير من الدراهم يتم تبييضها بواسطة الحوادث الوهمية لفائدة زمرة قليلة من المغاربة على حساب الملايين من الفقراء والمعوزين وأصحاب الدخل المحدود والمتوسط.
أجرى الحوار: محمد البودالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى