ملف الصباح

“مول الفيلا” البخيل

لا ينفك محمد يردد “ما عنديش…” جوابا على كل سؤال يحمل رائحة المال، منبها في كل مرة أفراد أسرته، إلى عدم مطالبته بأكثر مما يتحمل، فقدراته المالية على “قد الحال”، حسب تعبيره.
في الواقع، يصعب تصديق هذا الشخص الذي يقطن فيلا فسيحة تقارب مساحتها الألف متر ضواحي البيضاء، ويمتلك أراضي وعقارات لا تعد أو تحصى، ويقود سيارة رباعية الدفع، لا يخجل من الحديث عن استهلاكها لترات كثيرة من “الغازوال” كل يوم. إنه نموذج آخر للمتخوفين من المستقبل، الذين وجدوا في البخل والشح وسيلة للادخار، ومواجهة أية مفاجأة مستقبلية، خصوصا المادية منها.
اختار التاجر الذي كان مقاولا في أحد الأيام، أن يجمد نشاطه نهائيا، بعد أن لحقته بعض الخسائر جراء ظهور منافسين جدد في مجال عمله، وتدني هامش ربحه، ليختار وقف مساره المهني والاستفادة في الحدود الدنيا مما جمعه وحصله من عمله على مدى سنوات، إذ لاذ بمشروع الكراء المضمون، المدر للدخل بهامش مخاطر ضئيل، بما أتاح له الاستمرار في تغطية مصاريف عيشه، معتمدا في الآن نفسه على مساهمات بنيه، فهذا يسدد فواتير الماء والكهرباء والهاتف، وآخر يؤمن ما يحتاجه البيت من مواد غذائية وغيرها من النفقات.
“الأولاد ما عرفينش الأهمية ديال هاد الشي لي كندير ليهم”، يعلق محمد، الستيني، بنبرة لا تخلو من جدية، محاولا بشتى السبل إقناع نفسه وأسرته، بأن المستقبل لا يحمل إلا المفاجآت السيئة، فهذه تجارة تبور أو عمل يختفي،أو زوج يتوفى أو حجز بنكي على ممتلكات، وغيرها من الاحتمالات التي لا يمل من ترديدها على مسامعهم، حتى ضاقوا ذرعا بوضعيتهم، التي لا تخلو من ملامح فقر مدقع في فيلا، يقطنون طابقها تحت الأرضي “لاكاف”، ولا يتجاوزن سقف وجبتين في اليوم، مع ضرورة الأداء مقابل إقامتهم.
الحديث عن البخل والتقشف، يجد أصوله في فصول معاناة طويلة عاشها محمد، التاجر العصامي، الذي يرى في التحضير والاستعداد الدائم لمفاجآت المستقبل، ضرورة حتمية لتحقيق النجاح، وتجنب السقوط في حفر الخسارة، مؤكدا أنه يبتغي من خلال سلوكاته تحفيز أبنائه وتنبيههم إلى قساوة الواقع، وضرورة التحلي بالصرامة والتعقل عند التعامل مع المال، “الذي لا يأتي أو يغادر بسهولة كما يشاع”، وفق تعبيره.
ويرى “مول الفيلا”، الذي لا يحبذ مناداته بهذا الوصف، أن التقليص من مظاهر البهرجة الاجتماعية، ناجع للادخار وتوفير الموارد المالية، الكفيلة بالمساعدة على مواجهة ما يخبئه الغيب، مشددا على أنه شاهد خلال ممارسة التجارة، صعودا وأفولا لتجار في ظرف وجيز، كان خطؤهم الوحيد عدم الاحتراز والتحضير لمقارعة المستقبل.
ب. ع

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
assabah

مجانى
عرض