fbpx
حوادث

دور محكمة النقض في حماية المال العام

المشرع لم يعرف المصلحة ذات المنفعة العامة ولم يضع لها ضابطا لتمييزها

صحيح أن دستور 2011 يشكل ميثاقا للحقوق والحريات الأساسية للمواطنين، وصحيح أيضا أن السلطة القضائية المستقلة هي الضامنة لسيادة القانون على الجميع، إلا أن مستقبل الوطن الآن أمام رهان المال العام وحمايته من كل أشكال الهدر والتبذير، وذلك من خلال العمل على تخليق الحياة العامة، وتفعيل آليات المحاسبة والمساءلة، وإرساء مبادئ
الشفافية والنزاهة في تدبير الشأن العام، وتحريك المتابعة الجنائية في حق مقترفي الجرائم المالية ومعاقبتهم، من أجل حماية المصلحة العامة للمجتمع.

بقلم: الدكتور حسن فتوخ *

(الحلقة الأولى)

إن الترسانة القانونية المتعلقة بالجرائم المالية، ومهما تضمنت من مستجدات تشريعية متقدمة لحماية المال العام ومعاقبة ناهبيه، وتعزيز الثقة في الآليات الرقابية، فإن الظرفية الحالية تطرح سؤالا على المحك، يتمثل في مدى نجاعة المقاربة القضائية المتبعة لمناهضة الفساد بجميع أشكاله، وتفعيل المبدأ الدستوري المتمثل في ربط المسؤولية بالمحاسبة.
ولعل الجواب عن ذلك، يقتضي منا الوقوف على خصوصية المبادئ التي كرسها الاجتهاد القضائي لمحكمة النقض بشأن قضايا المال العام،ورصد المعايير القضائية لاستخلاص قيام العناصر التكوينية من عدمها في جرائم المال العام.
المحور الأول: خصوصية المبادئ المكرسة في قضايا المال العام
لا شك أن تحريك المتابعات في حق الأشخاص مرتكبي جرائم المال العام ومعاقبتهم والحكم بمصادرة الأموال المختلسة، يجسد الانخراط الجاد والهادف للسلطة القضائية في حماية المال العام، وتعزيز الديمقراطية ودولة الحق والمؤسسات، وإرساء العدالة الجنائية على أرض الواقع، وفق مقاربة قضائية، تروم قيام التوازن بين الجزاء وقواعد الأخلاق العامة،وتوفير بيئة نزيهة وشفافة في تدبير الشأن العام، وتحقيق مزيد من التقدم الاقتصادي والاجتماعي للوطن والمواطن الذي يعتبر قطب الرحى في جميع الأوراش التنموية.
أولا: المفهوم القضائي للمال العام
إذا كان المال العام من منظور الفقه هو ذلك المال المخصص للمنفعة العامة، فإن محكمة النقض عرفت المال العام في أحد قراراتها كما يلي:
” يعتبر مالا عاما كل الأموال المملوكة للدولة أو أشخاص القانون العام والمخصصة للمنفعة سواء كانت هذه الأموال معدة لخدمة الجمهور وبطبيعتها أو كانت في خدمة مرفق عام يستفيد منه الجمهور بشكل مباشر “.
ولما كانت النازلة تتعلق بتبديد أطنان من القمح المسلمة للمتهم في إطار منحة التخزين والدعم، فقد اعتبرت محكمة النقض في قرارها أعلاه أن “الهدف الأساسي استنادا لقانون 12/94 المتعلق بالمكتب، هو إشباع حاجات الدولة من المنتوجات الزراعية التي تعتبر أساسية في التغذية العامة للمواطنين والعمل على مراقبة الأسواق وتزويدها بالدقيق حفاظا على استقرار الأثمان ومنع كل زيادة لا تناسب القدرة الشرائية للمواطنين، وعلاقة المكتب المذكور بالأشخاص المعنوية المكلفة بتخزين المزروعات هي علاقة قانونية تتمثل في تزويد هذه الأخيرة للمطاحن بكمية من الزرع المخزون التي تتقاضى عنه منحة طيلة مدة التخزين لقيام هذه المطاحن بطحنه وبيعه بالسوق الوطني حفاظا على القدرة الشرائية للمواطنين.
وأن قيام المكتب المسؤول عن تزويد السوق الوطني بالحبوب والقطاني بمنح المتهم بصفته مسؤول عن شركة منحة التخزين والدعم لكمية القمح المشار إليها بمحضر البحث التمهيدي والتزامه ببيعها للمطاحن حفاظا على استقرار الأسعار والقدرة الشرائية للمواطنين إلا أن المتهم عمد إلى تبديد ما قدره، قنطارا وبيعها للخواص حسب اعترافه خلال مرحلتي التحقيق والمحاكمة بدعوى انخفاض المحصول بسبب الرطوبة وشرائه مجموعة من الشاحنات وخزانات الزرع وقطعة أرضية … يشكل جناية تبديد واختلاس أموال عامة “.
ثانيا: معيار الصفة العمومية للمتهم في جرائم المال العام
دأبت محكمة النقض على اعتبار المصلحة ذات النفع العام هي المعيار في تحديد الصفة العمومية للمتهم في جرائم المال العام هو، علما بأن المشرع المغربي لم يعرف المصلحة ذات المنفعة العامة، ولم يضع لها ضابطا يمكن بواسطته تمييزها عن غيرها من المصالح، والقاضي الجنائي يستنبط صفة العمومية في الموظف ليس بالرجوع للقانون الإداري بل للجهة المتضررة من الجريمة بحسب النشاط الذي تقدمه للمرتفقين أو بحسب القانون المنظم لها أو بحسب مساهمة الدولة في رأسمالها أو خضوعها لرعاية الدولة بواسطة أجهزتها الرقابية أو رخصت لها الدولة للقيام بتنفيذ أعمال ذات مصلحة عامة مقابل منحة مالية مقابل ذلك.
ثالثا: الهدف المتوخى من الدعاوى الجنائية في قضايا المال العام
تعتبر حماية المال العام من أهم الأولويات الإستراتيجية والسياسية في بلادنا، لارتباط الموضوع بمجموعة من الميادين الاقتصادية أو السياسية والاجتماعية. ولا يمكن حماية المال العام إلا بوسائل وآليات لها القدرة والقوة لتحقيق الأهداف المرجوة من الدعاوى الجنائية في قضايا المال العام.
ونظرا للتأثيرات الوخيمة لهذا النوع من الجرائم على الاقتصاد الوطني، اعتبرت محكمة النقض أن الهدف المتوخى من الدعاوى الجنائية في الجرائم المالية، لا يتحقق فقط بعدد الأشخاص المتابعين والمحالين على المحكمة ولا بإصدار بشأنها عقوبات سالبة للحرية، ولكن بضرورة استرجاع المبالغ المبددة والمختلسة وملاحقتها بين يدي أي شخص كان وأيا كان المستفيد منها عن طريق مصادرتها لفائدة الدولة، وذلك عملا بمقتضيات الفقرة الثانية من الفصل 247 من القانون الجنائي.
وقد تواتر قضاء محكمة النقض في العديد من قراراتها، على اعتبار أن جناية تبديد المال العام المنصوص عليها وفقا للفصل 241 من القانون الجنائي تتحقق متى قام الموظف العام بتحويل حيازة المال العام الموجود تحت يده بحكم وظيفته إلى حيازة الغير، دون احترام للمساطر والضوابط التنظيمية الجاري العمل بها أو دون حصوله على ترخيص مسبق من مسؤوليه المختصين، وهو يعلم بأن تصرفه المذكور يؤدي إلى استنزاف المال العام بل إلى إهلاكه واغتياله.
رابعا: صفة الجمعية الوطنية لحماية المال العام في الطعن بالنقض
إن إقرار المشرع حق الطعن في الأحكام القضائية من قبل الطرف المتضرر منها، يعتبر أحد أهم ضمانات المحاكمة العادلة، ويجسد العدالة المسطرية في أرقى صورها، ويعكس حرص القانون على التوفيق بين الحماية الموضوعية والإجرائية للحقوق والحريات. ومع ذلك، يمكن القول بانتفاء الصفة في الطعن من قبل أي جهة لم تكن طرفا في الحكم أو القرار المطعون فيه، إعمالا لقاعدة أن الصفة في الطعن كالدعوى، وهي مناط الادعاء.
* رئيس مكتب الودادية الحسنية للقضاة بمحكمة النقض

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى