fbpx
افتتاحية

الغيث

مرة قال تيدور ستيك، المقيم العام الفرنسي بالمغرب وخليفة الجنرال ليوطي، إن “تدبير الشأن العام في المغرب رهين بالأمطار”، والمغاربة، في هذه الأيام، يتطلعون إلى كرم السماء لإنقاذ اقتصادهم من الركود.
مازال صدى مقولة المقيم العام الفرنسي يتردد في دواليب جل القطاعات الحكومية، ففي 2017 يُسهب الخبراء والسياسيون في تبرير تراجع الاقتصاد الوطني وعلاقته بتهاطل الأمطار، وكل الحكومات المتعاقبة فشلت في تجاوز الإشكالية التي استعصت على الحل.
ببساطة شديدة، كلما شحت الأمطار أصاب الهلع الفلاحين، وتحدث مدبرو الشأن العام عن شلل الاقتصاد، وكلما جادت السماء علت أسارير الفرح الجميع، ودبت الحرارة في الرواج الاقتصادي والتجاري… لكن إلى متى يستمر هذا “الزواج الكاثوليكي” بين الأمطار والاقتصاد؟
بعيدا عن لغة الاقتصاديين وأرقامهم وحسابات النمو، يتفق أغلب الخبراء أن الوقت حان لفك علاقة الاقتصاد بالأمطار، رغم الدور الكبير لمخطط المغرب الأخضر الذي ساهم، في السنين الأخيرة، في الحد من تداعيات تأثر الاقتصاد بالأمطار، وحدوث تحسن على مستوى الأنشطة غير الفلاحية، ما ساهم في تقليل تأثيرات المحصول الفلاحي على وتيرة النمو، واكسب نوعا من “الاستقلالية النسبية” عن التقلبات المناخية ببروز قطاعات جديدة واعدة ساهمت في رفع مستوى معدل النمو غير الفلاحي.
إن التحديات الكبرى التي يواجهها المغرب تفرض توجها اقتصاديا آخر، والقطع مع سياسة تنتظر غيث السماء لتحقيق نسبة نمو مرتفعة، فرهن الاقتصاد بجود السماء، والاستمرار في السياسة نفسها لن يؤديا إلا إلى شلل اقتصادي وأزمات اجتماعية، فيكفي التذكير أن ضعف محصول الحبوب، يجعل الدولة مضطرة إلى استيرادها بكميات كبيرة لسد الخصاص، ما يؤثر على التوازنات والميزانية العامة.
لقد أدت “سياسة الأمطار” إلى تأثيرات خطيرة اجتماعيا واقتصاديا، فضعف المحصول الفلاحي يؤثر على مداخيل العالم القروي ويرهق ميزانية الدولة، ويهدد مقاولات وأنشطة صناعية بالإفلاس، ويرفع نسب العاطلين، ويحد من الاستثمارات، فتواجه الحكومة اضطرابات وأزمات هي في غنى عنها.
هناك تجارب بلدان عديدة نجحت في فك الارتباط ما بين الأمطار والاقتصاد، وهي بلدان تشبه وضعيتها المغرب، لكنها نجحت في وضع مسافة كبيرة، ضمانا لاستقرار سياسي واجتماعي، وتحكما في تقلبات مناخية لا أحد يدرك اتجاه رياحها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى