fbpx
منبر

خواطر مقاوم في الذكرى 56 للأعياد الوطنية الثلاثة

ثورة ملك وشعب وحصيلة كفاح أسرة المقاومة وجيش التحرير

من الأعياد الوطنية الخالدة التي تحييها بلادنا بحماس ووطنية واعتبار ذكرى الأعياد الثلاثة المجيدة، مفخرة الشعب المغربي قمة وقاعدة، والتي مهما تناسلت الأعوام والسنين والعقود، تظل حفرياتها بارزة منقوشة
في ثنايا الذاكرة الوطنية، وتظل أقباسها مصدر اعتزاز لكل مغربي ومغربية ومنارة إشعاع يهدي إلى سبل العلا والرقي والنماء والتجديد والحداثة.

إن هذه الأعياد الثلاثة التي تحل بنا اليوم مجتمعة لن تكون سوى: أولا، عيد العودة المظفرة لأب الأمة المغفور له محمد الخامس من المنفى إلى أرض الوطن يوم 16 نونبر 1955، وثانيا عيد الانبعاث، انبعاث النهضة المغربية يوم 17 نوفمبر 1955، وثالثا وأخيرا عيد الاستقلال المجيد يوم 18 نوفمبر 1955 الذي حمل فيه المغفور له طيب الله ثراه ألوية الحرية والاستقلال وزف إلى شعبه الوفي في ذلك اليوم بشرى بزوغ عهد الحرية وانقضاء عهد الحجر والحماية .

هكذا تعارف المغاربة على الأعياد الثلاثة المجيدة في الخمسينات، وكانت بحق وحقيق كلها أيام أفراح ومسرات ببهجة وطلعة عهد الاستقلال وباستقبال محرر الوطن الملك المجاهد محمد الخامس رضوان الله عليه بمطار الرباط وسلا في ذلك اليوم المشهود يوم الأربعاء (فاتح ربيع الثاني 1375 ه- 16 نوفمبر1955م)، ليتربع على عرش جديد آخر هو قلوب المغاربة كافة.

حينما انفتح باب الطائرة التي أقلت جلالته وعائلته الملكية، وخرج طيب الله مثواه في زيه التقليدي البهي كانت دموع الفرح والشوق والحنين والعودة من الغربة تتدحرج من عينيه رحمه الله، دموع الأب العطوف والأب الحنون  على أبناء شعبه ووطنه الذين ما خذلوه يوما، وما خذلهم أبدا رحمة الله عليه، وكان المغرب من أقصاه إلى أقصاه قد اختزلته فضاءات مطار الرباط وسلا في حشود منقطعة النظير كان من بينها، وفد من شنقيط لتجديد الولاء والبيعة، فكان يوما عظيما ويوما خالدا في المغرب، يوم التقاء ملك وشعب، بعد فراق دام سنتين اثنتين وربع السنة (27 شهرا) بالمنفى السحيق بجزيرتي كورسيكا ومدغشقر.

قال جلالته في مطلع  خطاب العودة التاريخي «أيها الشعب الوفي حمدا لله أن جمع شملنا وأذهب حزننا ولم يضع جهودنا …الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور»، وكثيرا ما ردد لدى رجوعه من المنفى قول جده المصطفى (ص)، عندما عاد من إحدى غزواته «رجعنا من الجهاد الأصغر الى الجهاد الأكبر» لبناء الدولة المغربية الحديثة في ظل الحرية والاستقلال.

نعم كانت هذه الأعياد الثلاثة المجيدة ثمرة ثورة الملك والشعب وحصيلة كفاح أسرة المقاومة وجيش التحرير والتي أعلنت بالدار البيضاء عن ميلادها يوم 7 ابريل 1951، وانفجرت يوم 20 غشت 1953، فقطع شبابها على أنفسهم عهدا لا رجعة فيه، عهد النضال وحمل السلاح واستهداف الاستعمار في كل ألوانه وأشكاله مسترخصين كل غال ونفيس، تاركين أبناءهم وأسرهم وتجارتهم وحرفهم وراكضين وراء فلول الفرنسيين وأعوانهم ومهاجرين ديارهم ومدنهم لأعالي الجبال وراكبين كل الأهوال والأخطار، بحثا عن الحرية والانعتاق من الاستعمار، ومن أجل استرجاع الشرعية ورمزها الوحيد محمد الخامس رضوان الله عليه.

كانت مجموعتنا (منظمة المقاومة السرية)، وهي ضمن مجموعات معدودة بالدار البيضاء تضم أفرادا يحسبون على رؤوس أصابع اليد الواحدة في نشأتها «محمد الزرقطوني، سليمان رضى عباس، حسن العرائشي، التهامي نعمان وعبد ربه الحسين برادة» التزموا في ما بينهم بعد أداء اليمين على الوفاء والإخلاص والعمل من أجل قضية الوطن الكبرى، وهي عودة ملك البلاد من منفاه وتحرير الوطن من ربقة الاحتلال أو الشهادة دون ذلك.

ورغم أن الأخ محمد الزرقطوني فارقنا، بعد استشهاده رحمه الله في 18 يونيو 1954، فقد واصل الإخوان العمل الفدائي على عدد من المستويات داخل الدار البيضاء أو خارجها، ونظرا لارتباطي الوثيق بالشهيد محمد الزرقطوني عندما افتضح أمره وفضل ابتلاع حبة السم للائتمان على أسرار الجماعة اضطررت شخصيا وبإيعاز من الإخوان إلى الرحيل إلى المنطقة الخليفية لتأسيس جيش التحرير …وبإمكان من يريد من القراء الكرام الإطلاع على تفاصيل المقاومة السرية وأعمال أفرادها، الرجوع إلى مؤلفي (مسيرة التحرير)، والذي أضعه بهذه المناسبة رهن إشارة المهتمين من الطلبة والباحثين بصورة خاصة.
كان عمل أفراد المقاومة وجيش التحرير خالصا لوجه الله تعالى ولملك البلاد والشعب المغربي، وكانت نوايانا الحسنة تتطلع بعد ذلك الى مغرب جديد تضمن فيه الحرية والكرامة، كما كانت أحلامنا تروم تعزيز وتشريف هؤلاء المقاومين وأعضاء جيش التحرير الذين أدوا الرسالة والمهمة على أكمل وجه وحققوا وراء الملك المنعم محمد الخامس ما لم يستطع أحد تحقيقه وإنجازه، ويظل الأمل اليوم وبعد اليوم في أن يرى من بقي من أفراد أسرة المقاومة وجيش التحرير هذا المغرب الحبيب على أحسن حال في ظل ملك عاهد الشعب المغربي على المضي به نحو مدارج الديمقراطية والتنمية والعدالة الاجتماعية وضمان دولة الحق والقانون والمساواة ومحاربة الفساد والزبونية والرشوة وتحقيق الإنصاف ونزاهة القضاء.

إن المغرب لم يكن مستعمرة كباقي المستعمرات التي اكتسحتها الحركة الاستعمارية عسكريا، وداست على هويتها واعتبرتها جزءا لا يتجزأ من خريطتها الجغرافية، ذلك لأن القوى المتحالفة ضد المغرب اتخذت لها قناع الحماية وتقديم العون من أجل تحديث الإدارة والجيش وإقامة البنيات التحتية المتلائمة مع النظام العالمي الجديد آنذاك، ورغم اقتسام النفوذ، بهذه الصيغة على التراب المغربي ما بين قوتين استعماريتين متنافستين هما فرنسا وإسبانيا بالإضافة إلى منطقة دولية هي طنجة، فقد بقيت ملامح الهوية المغربية متجسدة في ملك البلاد والعلم الوطني وإسلامية الدولة كأبرز رموز للسيادة ولمرحلية الوجود الأجنبي على أرض الوطن. هذا الوجود الذي كما أسلفت، ما أن تطاول على إحدى هذه الركائز في شخص الملك الشرعي، حتى أصبح معها عقد الحماية لاغيا وبالتالي كانت تلكم الملحمة الشامخة ملحمة ثورة الملك والشعب التي أعادت الملك الشرعي إلى عرشه معتبرا رحمة الله عليه، أن المرحلة – كما سبقت الإشارة إليه- إنما هي خروج من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر.
وهنا أطرح السؤال التالي، هل فعلا دخلنا غمار الجهاد الأكبر بالروح وقوة العزم والتفاني ونكران الذات نفسها التي اتخذناها عقيدة للذود عن الحمى وقهر الوجود الاستعماري ؟

للأسف أن الكثير من أهداف الجهاد الأكبر تم تناسيها أو غض الطرف عنها أو تجاوزها مرورا بمنعطفات سياسوية رسمت لنفسها أبعادا وأهدافا مصلحيه وأجندة تروم الحكم لأجل الحكم وتطويع الانتهازيين والخصوم على حد سواء لخدمتها ومنفعتها فقط. أما شهداء الأمس القريب وأيتامهم وأراملهم وذووهم ورفاقهم في الكفاح الذين أمد الله في أعمارهم رغم ما تعرضوا له من تنكيل وتعذيب في مخافر الشرطة الاستعمارية وسجونها والمنافي، تلك المنافي التي حولوها إلى معاقل لجيش التحرير بالشمال والجنوب واصلوا بها صمودهم ومواجهتهم للجيش الاستعماري … أما كل هؤلاء فقد طواهم النسيان وانصرفوا الى كسب قوتهم اليومي كل بما لديه من مهارة حرفية أو تجارية أو مقاولاتية أو مستوى علمي معين، وحتى من حاول الاستنكار أو لجأ إلى النضال السياسي من أجل تحقيق أهداف ثورة الملك والشعب المتمثلة في الإنصاف والمساواة واستكمال الوحدة الترابية وإقرار حكم قائم على الحياة الدستورية الديمقراطية تتكافأ فيها الفرص وتزدهر معها حياة الشعب بكل شرائحه …يكون مصيره ما ساد سنوات الرصاص من قمع واعتقالات تعسفية. وعلى ذكر سنوات الرصاص تجدر الإشارة إلى أنها نتاج مخاض بل صراعات سياسية يتحمل مسؤوليتها كل الذين انغمسوا في حلبة السياسة حكاما ومعارضين على حد سواء، لأن أطرافها كانوا متشبعين بإلغاء الآخر وإقامة سلطتهم على رفات وأجساد خصومهم. وللأسف أن رجالا أفذاذا من قدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير ذهبوا ضحية هذا الوضع الشاذ بعدما ذهب عدد منهم ضحية ما أطلق عليه سنة 1956 مصطلح (الظروف الغامضة)، وقد أطلقت أسماء عدد منهم على شوارع الدار البيضاء التي يتداولها أبناء الجيل الحاضر دون علم بماضيها وبمساهمتها الفعالة والقيادية في حركة المقاومة وملحمة ثورة الملك والشعب.

لقد مرت خمسة عقود ونصف العقد، عاشت خلالها أسرة المقاومة وجيش التحرير إحساسا بالأمل عندما لمس المغفور له الحسن الثاني، خيانة عظمى لدى أقرب المقربين منه ورجال ثقته من ضباطه الكبار «أوفقير، والمذبوح واعبابو…» وقرأ الأمان والصدق والوطنية في أولئك الذين وهبوا كل غال ونفيس من أجل العرش العلوي، وافتدوا ملكهم بأرواحهم، فعمل رحمه الله على رد الاعتبار إلى هذه الفئة الصادقة، وأصدر ظهيرا شريفا بتأسيس المجلس الوطني لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير في يونيو 1973 كإشارة قوية للبرور بهم، وبالشهداء من إخوانهم وبأراملهم وأيتامهم وبالأحياء منهم الذين لم يبدلوا تبديلا، والذين استجابوا للنداء الملكي بإمعان وفهم عميق لمضمون خطاب الافتتاح الملكي الذي أهاب بهم للانخراط في الحياة العامة والاقتصادية بالروح الوطنية والتضحية الكبيرة التي كانت رائدهم في معارك التحرير، وعكفوا بصدق وأمانة على العمل الجاد والمثابر، فدرسوا الملفات وسهروا على إقرار حقوق المنتسبين لهذه الأسرة وفقا لما أقره لهم القانون، رغم ضآلة عائداته، وأصدروا العديد من التوصيات التي لامست أهم القضايا الكبرى للوطن والمجتمع بكل فئاته ونادت بالتعبئة العامة والشاملة لتحرير الصحراء المغربية واستكمال الوحدة الترابية التي تحققت بفضل المسيرة الخضراء المظفرة التي أطلقها الملك الحسن الثاني قدس الله روحه، فكان ذلك الإنجاز اللبنة الأساسية للجهاد الأكبر الذي أعلنه بطل التحرير محمد الخامس، والتي كان للكثير من أعضاء المجلس الوطني لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير شرف السير في صفها الأول بقيادة رئيسها آنذاك المرحوم الدكتور عبد الكريم الخطيب، إلا أن سنوات العسل كانت قليلة ومرت سريعا، وتعاقبت الحكومات الواحدة تلو الأخرى، ونحن بقاعة الانتظار، نتوسم كل مرة التفاتة لتوصياتنا ومطالبنا المشروعة إلى أن عمنا اليأس بصفتنا أعضاء مكتب هذا المجلس، فقررنا مع رئيسنا آنذاك الدكتور عبد الكريم الخطيب تجميد نشاطنا، إلا في ما يتعلق بالمساهمة في إحياء بعض الذكريات الوطنية لملحمة العرش والشعب.

خاب أمل إصلاح أوضاع المقاومين
جاء عهد حكومة التناوب التي قادها أحد رفاقنا في المقاومة وجيش التحرير الأستاذ عبد الرحمن اليوسفي ، فنهض في نفوسنا الإحساس بالأمل، وتوسمنا في هذه الحكومة خيرا ولو معنويا، إلا أن الأمل خاب هذه المرة، وبصفة أبدية، ولم يتغير من شأن هذا القطاع سوى وجه المندوب السامي لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، إذ حظي الدكتور مصطفى الكثيري بثقة جلالة الملك محمد السادس نصره الله بتولي تدبير شأن هذه الفئة من المواطنين، وعلى عهده، تم حل المجلس الوطني المؤقت لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، على أساس انتخاب مجلس وطني دائم، ورغم ما شاب العملية الانتخابية من شوائب، فإن المجلس الوطني لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير بقي اسما بدون مسمى، ومازال السيد المندوب السامي، عند الاقتضاء لا يجد ما يؤثث به منصته في الظروف الجادة سوى تلك الوجوه القديمة التي تم إبعادها عن المجلس الوطني.

لقد أصبحت مقتنعا، والحالة هاته بوجاهة فكرتي منذ مدة، وهي العمل على إلغاء مؤسسة المجلس الوطني لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير والمجالس الإقليمية واللجان المحلية بصفة قانونية والمندوبيات الإقليمية، ودعم مركز المندوب السامي لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير قانونيا وتخويله صلاحيات واسعة محترمة لقيادة والإشراف على تسيير قضايا وشؤون أسرة المقاومة وجيش التحرير والعناية بالأرامل والأيتام والرعاية الصحية للمنتمين ومتابعة أحوالهم المعيشية وتمكينهم من الحقوق التي يخولها لهم القانون، والعناية بتاريخ الكفاح الوطني وإحياء الذكريات الوطنية وتخليد ملاحم ثورة الملك والشعب وتكريم رموزها وتأبين موتاها الذين لا يخلو يوم من فقدانهم الواحد تلو الآخر.
في ختام مقالي المتواضع هذا، الذي التزمت منذ عهد على التواصل من خلاله مع السادة القراء الأفاضل عبر الجرائد الوطنية، أجدد تهانئي للشعب المغربي، ولجلالة الملك محمد السادس ولأسرة المقاومة وجيش التحرير بهذه المناسبة المجيدة، مناسبة الذكرى 56 للأعياد الثلاثة الخالدة وأملي في الله أن يكون الدخول في عهد الدستور الجديد دخولا موفقا ناجحا بما يرضي المجتمع المغربي من طنجة إلى لكويرة.

بقلم : الحاج الحسين برادة: أحد مؤسسي المقاومة وجيش التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى