fbpx
افتتاحية

سنوات الضياع

كان لا بد من تدخل الملك لتنبيه الوزير السابق في العدل والحريات إلى «خطاياه» التي وصلت حد إهانة مؤسسة دستورية هي المجلس الأعلى للسلطة القضائية، ومحاولة الزج بها وبأعضائها ورئيسها المنتدب وقضاتها المعينين والمنتخبين في مقر حقير وسط الرباط عبارة عن «مركز نداء» سابق.
ففي سابقة من نوعها، تضطر أعلى سلطة في البلد إلى توجيه طلب عاجل للبحث عن مقر يليق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية، بعد خمس سنوات من التنصيص الدستوري على هذه السلطة المستقلة، وهو وقت كاف، كان يمكن للوزير المعني أن يكون انتهى فيه من اختيار مكان مناسب وبناء مقر بمواصفات هندسية ومعمارية خاصة ترقى إلى مستوى أهمية هذه المؤسسة القضائية.
عكس ذلك، فضل الرميد ركوب عناده وغطرسته، وغلب «الخيار السهل»، أي البحث عن أي مقر، كيفما كان وضعه وشكله وهيأته لوضعه رهن إشارة أعلى سلطة قضائية في المغرب، ولو تعلق الأمر بعمارة قديمة كانت تستعمل سابقا مركزا للنداء والدفع مقابلها 240 ألف درهم شهريا، عن طريق تعاقد مباشر دون اللجوء إلى المساطر المعمول بها في شأن الصفقات العمومية.
وحكاية المقر ليست مسألة عابرة (بالنسبة إلى الرميد على الأقل) فهي حلقة أساسية وضرورية من صراع رمزي خاضه الرميد منذ وصوله إلى وزارة العدل والحريات، ضد القضاة والسلطة القضائية والجسم القضائي برمته، وهو الجسم الذي يكن له حبا جارفا، بل مرضيا، في بعض الأحيان، مازالت مضاعفاته الاجتماعية والقانونية والاعتبارية مستمرة إلى اليوم.
فما معنى أن يتماطل الرميد، طيلة 5 سنوات، في تهييئ البنيات التحتية للمجلس الأعلى للسلطة القضائية وتوفير شروط العمل لأعضائها وقضاتها، ووضع التجهيزات والمرافق والمعدات الأساسية رهن إشارتها؟ وما معنى أن يكون الوزير المكلف بحقيبة العدل والمؤتمن الأول على تطبيق القانون أول من يخرقه، حين يضرب المادة 118 من القانون المنظم للمجلس الأعلى للسلطة القضائية عرض الحائط؟
ما معنى أن يصر الرميد على جعل السلطة القضائية أقل شأنا من السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية، حيث تتوفر للاثنتين جميع شروط الاشتغال ويحرص القائمون عليهما على الحفاظ على صورتيهما وسمعتهما على مستوى الشكل والمضمون كذلك؟
لا ننتظر أجوبة من وزير يكن ما يكن إلى القضاة وما يمت إليهم بصلة، وينتظر أن يشاهدهم يغرقون في البحر يوما ما، لكن نتحسر على سنوات الضياع من عمر إصلاح جوهري وأساسي يرهن مستقبل المغرب برمته، ويمتع القضاء وسلطته بجميع شروط وممكنات الاستقلالية، كما هي منصوص عليها وعلى غاياتها في أسمى قانون في البلد.
إن من يتعمد وضع عمارة قديمة رهن إشارة المجلس الأعلى للسلطة القضائية، لا يمكن أن نطمئن إلى قوانينه وخطاباته ونواياه في إصلاح القضاء، ما يقتضي ليس فقط فتح تحقيق قضائي مع الجهة، أو الجهات التي سمحت باقتراف هذه الفضيحة (مركز نداء بـ24 مليون شهريا)، بل مراجعة جذرية لجميع الإصلاحات والقوانين، أو ما اصطلح عليه مجازا «ميثاق إصلاح منظومة العدالة».
إنها مهمة مستعجلة للوزير الجديد الذي لا تعوزه الخبرة والتجربة والتبصر لإصلاح ما أفسده سالفه مع سبق الإصرار والترصد وبنية مبيتة، وذلك عبر مراجعة لجميع القوانين والتشريعات وإدخال التعديلات المنسجمة مع متطلبات العصر، دون أحقاد أو ضغائن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى