fbpx
تحقيق

سبتة… حقائق من داخل المدينة المحتلة

الصباح اقتحمت كواليس جماعة الدعوة والتبليغ بالمدينة وحاورت مرشدها العام وزارت مقرها الرئيسي بمسجد النور

يصورها الإسبان على شكل “امرأة مستلقية” على مضيق جبل طارق، وهذا ما يمكن أن يتخيلوه من ضفتهم، لكن كل مغربي يصعد فوق جبل بليونش، لن تظهر له أي امرأة مستلقية أو نائمة، سيعيق نظره السياج السميك الذي يفصله عن أرض تسمى “سبتة”، أنجبت قضاة وفقهاء وأطباء وعلماء أغنوا بكتاباتهم واجتهاداتهم الخزانات المغربية والعالمية… ورغم مرور أزيد من خمسة قرون على احتلالها استحال على الإسبان فصلها عن طبيعتها وجغرافيتها وتاريخها… وحتى بوجود علم الاتحاد الأوربي المرتفع بالمعبر الإسباني على الأرض المحتلة، فلا أحد يمكنه أن يقول إن إسبانيا توجد في إفريقيا أو أن سبتة في أوربا.
“الصباح” قضت ستة أيام بالمدينة وتنقل في سلسلة تحقيقات واقع سكان المدينة تحت الاحتلال، بين السياسي والديني والاجتماعي والاقتصادي، في ظل أزمة وتمييز عنصري حركا انتفاضة مليلية، وإنزال أمني واستخباراتي تخوفا من اندلاع انتفاضة

أخرى بسبتة يمكن أن توقظ تلك المرأة المستلقية على أرض “سيوتا” وهو الاسم المحرف إسبانيا للمدينة السليبة.

“أتبحث عن مسجد الإخوان إنه في أسفل حي خادو، على بعد بضعة أمتار من القاعدة العسكرية للجيش الإسباني”، الكلام لمدرس في المدرسة القرآنية بمسجد سيدي مبارك بسبتة. ويقصد هذا المدرس ب”الإخوان” جماعة الدعوة والتبليغ، لأنه في سبتة يطلق على أعضائها لقب “الإخوان المسلمون”، رغم الاختلاف الكبير بين نهج الجماعتين.

الطريق إلى مسجد النور
حاولنا في طريقنا إلى مسجد النور وهو المركز الرئيسي لجماعة الدعوة والتبليغ، استفسار بعض الشباب عن موقعه، وكان الجميع يرد علينا بالقول “ربما تبحثون عن مسجد الإخوان إنه في أسفل حي خادو”، فهم لا يعلمون أصلا أن من يسمونهم “الإخوان المسلمون”، هم “تبليغيون” تابعون ل”الجماعة العالمية للدعوة والتبليغ إلى الله” ومقرها الرئيسي في باكستان.

الإخوان بدون عمامات
بحثنا في طريقنا إلى مسجد النور عن “التبليغيين الدعويين”، لكن لم نصادف أي أحد منهم يرتدي الزي الخاص بالجماعة الممثل في العباءة والعمامة، وحتى القياديين ممن التقيناهم لم يكونوا يرتدون هذا الزي، ما يشكل اختلافا في النهج السني عن الجماعات التابعة ل”التيار التبليغي” عبر العالم وبالمغرب على وجه الخصوص.
في مدخل موقف السيارات التابع لمسجد النور بسبتة استوقفنا مواطن أسمر البشرة يظهر من سحنته ولكنته باللغة الإسبانية أنه يتحدر من إحدى دول جنوب الصحراء الإفريقية، وسألنا عن مقصدنا، فكانت الإجابة أننا نرغب في زيارة المسجد.
باقترابنا من بناية مسجد النور لاحظنا أن هناك من يسترق النظر إلينا من نوافذ في أعلى البناية، وبمجرد وصولنا إلى بوابته الرئيسية فوجئنا برجل ملتح في الستينات من عمره وسحنته حمصية يسألنا عن الغرض من الزيارة، قبل أن يخرج من إحدى الغرف الخاصة بتحفيظ القرآن لأبناء مدينة سبتة شخص يرتدي جلبابا وطاقية، وفي يده المصحف الشريف، ويسألنا بدوره عما نريد، وكان ردنا أننا نبحث عن المرشد العام لجماعة الدعوة والتبليغ، وأجابنا أنه لا يتردد كثيرا على المسجد لأنه منشغل بتدبير شؤون اتحاد الجمعيات الإسلامية بسبتة ويتنقل بين عدد من العواصم عبر العالم للمشاركة في مؤتمرات إسلامية واجتماعات للتيار التبليغي الدولي.

التدريس بالمقر العام
يتردد على مسجد النور (المقر العام للجماعة) يوميا أزيد من ألفي مصل و300 طفل لتعلم اللغة العربية وحفظ القرآن الكريم وتلقي دروس في أساسيات العقيدة الإسلامية والعلوم الشرعية.
وتأسست جماعة الدعوة والتبليغ أو جمعية “مسجد النور”، كما يسميها “التبليغيون” أو “الإخوان”، بداية ثمانينات القرن الماضي، على يد سبتاويين ومقيمين في شمال المغرب، وبأموال محسنين شيدوا المسجد الكبير وسط حي تقيم فيه أغلبية مغربية، وأعلنوا قيام جماعة منهجها الرئيسي “الدعوة إلى الله” وانضم إليه عدد من المنتمين إلى جماعة أهل السنة والجماعة بشمال المغرب، كما هاجر إلى المدينة المحتلة بعض الدعاة التبليغيين من المتحدرين من القصر الكبير وطنجة وتطوان، ونجحوا في الحصول على وثائق الإقامة وحصل عدد منهم على الجنسية الإسبانية.
ولا يخفي عضو في الجماعة التقته “الصباح” بسبتة أن الجماعة المنتمي إليها ترفض العنف وهدفها الرئيسي تبليغ رسالة الإسلام ونشر الدعوة، وهذا ما يفسر شعارها المحدد في “لا للسياسيات لا للخلافيات”، وكل عضو لا يلتزم بأدبيات الجماعة المحددة في منع الكلام في السياسة أو الدخول في الأحزاب أو الخوض في الخلافات الفكرية أو الفقهية أو الحديث في أمراض الأمة يكون مصيره رفع العضوية عنه ومنعه من دخول مركز جمعية مسجد النور.

مراقبة أمنية إسبانية
تفرض المصالح الأمنية الإسبانية مراقبة مشددة على مسجد الجماعة، وكل عنصر يزور مقرها من المقيمين خارج المدينة تجرى أبحاث عنه من طرف الشرطة المحلية، لأن أعضاء الجماعة والمتعاطفين معها محصيون من طرف السلطات الإسبانية، بحكم أن جمعية مسجد الإخوان عضو في الهيأة العليا للشؤون الدينية بمدريد وتتلقى الدعم من وزارة العدل الإسبانية والمجلس البلدي بسبتة، وتعتبر من الجمعيات الإسلامية المقربة من الحزب الشعبي اليميني الحاكم بالمدينة المحتلة.
ولم يكن الطريق للوصول إلى المرشد العام لجماعة الدعوة والتبليغ سهلا، بحكم تعدد مهامه وانشغالاته وتفاديه الظهور في وسائل الإعلام، ولذلك أصرت “الصباح” على إجراء حوار معه لتوضيح عدة أمور مرتبطة بالجماعة ونظرتها للوصاية المغربية على الحقل الديني والوضع في سبتة المحتلة وعلاقتها بالجماعات الإسلامية الأخرى بالمدينة.

اللقاء بالمرشد العام
عن طريق أحد قياديي الجماعة برمج اللقاء بالمرشد العام ل”التبليغيين” بسبتة، وذلك في مكتبه الخاص الذي يوجد في الطابق الأول لمنزله القريب من إحدى القواعد العسكرية الإسبانية بالثغر المحتل.
وتردد العربي علال متعيش في البداية لدى اقتراح إجراء حوار معه حول الجماعة ودوره في تدبير الشؤون الدينية لمسلمي المدينة، إذ كانت نظرته لوسائل الإعلام أنها تزيف الحقائق وأن الدعوة والتبليغ منهجها يفرض عليها عدم الخوض في هذه الأمور أو الرد عليها، قبل أن يقرر بعد ساعات من لقائه بقبول إجراء الحوار.
طرحنا في البداية على المرشد العام للدعوة والتبليغ بسبتة الذي يشغل في الوقت نفسه منصب رئيس اتحاد الجمعيات الإسلامية بالمدينة المحتلة وعضو في مجلس شورى الجماعة الدعوية بإسبانيا، أسئلة مرتبط بانقلابه على وصاية وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية على الحقل الديني بالمدينة، وموالاته للحزب الشعبي اليميني الحاكم بسبتة.
وانتبهنا لدى زيارة مكتبه أنه يضع صورة له مع الملك خوان كارلوس وأخرى مع خوان فيفاس، رئيس المجلس البلدي لسبتة، إضافة إلى صور مع شخصيات إسلامية وإسبانية، في حين لا يبرز أي صورة لملك المغرب، وهو ما رد عليه بالقول إن هذا ما يروج له خصوم الجماعة، الذين يزعمون أن “الدعوة والتبليغ ضد إمارة المؤمنين، فطلب منا الصعود معه إلى الطابق الثالث حيث توجد الغرفة التي يعتكف فيها كمرشد عام لجماعته، إذ يضع صورة فوق خزانة كتبه للملك محمد السادس، الذي أكد أنه يعتز بحكمه للمملكة، ويعتبر نفسه من رعايا إمارة المؤمنين.
وانتقد العربي علال متعيش بشدة الجمعيات الإسلامية المعارضة لتوجهاته، كما كشف أن جهازا استخباراتيا مغربيا يضايقه ويسعى إلى ترويج مغالطات عنه، من قبيل عمالته للإسبان.

الدعاء لأمير المؤمنين
تزعم جمعيات إسلامية بسبتة أن جماعة الدعوة والتبليغ لا ترفع بعد كل صلاة الدعاء لأمير المؤمنين في مسجد النور، مركز التبليغيين السبتاويين، وهو ما يفنده متعيش بالقول “نحن مع إمارة المؤمنين وندعو للملك محمد السادس بعد كل صلاة وفي خطبة الجمعة، وأغلب الخطباء والأئمة يتم إيفادهم من المضيق وتطوان، لكن بحكم أن مندوبية وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ترجح كفة جمعية إسلامية أخرى بسبتة، وترفض التنسيق مع الدعوة والتبليغ، وتحاول بكل الوسائل التدخل في الأمور السياسية داخل المدينة، قررنا، يقول متعيش، قطع علاقاتنا بها وتدبير الأمور الدينية بأنفسنا، لكن ما تزال علاقتنا بالحكومة المغربية طيبة.
ويضم “اتحاد الجمعيات الإسلامية في سبتة” الذي يخضع لسيطرة الدعوة والتبليغ حاليا 39 جمعية إسلامية تسير أزيد من 20 مسجدا ومركزا إسلاميا بالمدينة المحتلة، كما يشرف على تدريس اللغة العربية والقرآن الكريم وعلوم الشريعة لأبناء المسلمين المغاربة وتنظيم أنشطة وندوات وأيام دراسية.
وتحولت “جماعة الدعوة والتبليغ” بسبتة خلال السنتين الأخيرتين إلى قوة إسلامية رئيسية بالمدينة، إذ أضحت تسير عددا من المراكز والجمعيات، وهو ما أثار حفيظة الجمعيات الأخرى التي تحذر من تنامي المد الشيعي بالثغر المحتل، أما السلطات المغربية فتفضل عدم التعليق على الموضوع، رغم أن عددا من المساجد التي كانت خاضعة لوصاية وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية أصبحت الآن تحت سيطرة الدعوة والتبليغ.

إنجاز: رضوان حفياني (موفد الصباح إلى سبتة)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق