ملف الصباح

النـقـاش يـسـقـط الـقـدسـيـة

الباحث لكحل قال إن المجتمع ليس متحجرا لكنه بحاجة إلى انخراط الدولة

يرى سعيد لكحل، الباحث في قضايا الإرهاب والإسلام السياسي وعضو حركة “ضمير”، أن الأصوليين يناهضون أي تجديد أو تحديث أو تغيير، ويحاربون كل مداخل التحديث ودعاة التغيير، فالقضايا المتعلقة بالإرث وحقوق المرأة والمثلية وحرية الاعتقاد تخدم الأصوليين وتفي بغرض استغلالها للتحريض ضد دعاة التغيير والتحديث.

< ماهي خلفيات حملات التيارات الدينية على الداعين للحريات الفردية؟
< التيار الأصولي عموما هو أداة للاستبداد وتطويع المجتمع ومقاومة التغيير، ولم يسبق للتيار الأصولي أن ساند أي مطلب حقوقي.
ورأينا كيف تصدى الإسلاميون بشراسة لمشروع خطة إدماج المرأة في التنمية ليرهنوا مستقبل الشعب والوطن بأيديهم ويتحكموا فيه. ومن هنا يمكن التأكيد على أن مناهضة الإسلاميين للحريات الفردية ولحقوق النساء إنما بغرض التحكم في المجتمع وإضعاف قوى التغيير.
ويدرك التيار الأصولي جيدا أن مداخل التغيير هي المرأة والحريات الفردية. وكلما تمتعت المرأة بحقوقها إلا ومارست إنسانيتها بعيدا عن كل وصاية، ومارست مواطنتها بعيدا عن كل هيمنة ذكورية، وإذا تحررت المرأة من الهيمنة ومارست حريتها باعتبارها مواطنة مساوية للذكور في المواطنة، إلا وانخرطت في بناء مجتمع حداثي ديمقراطي لا سلطة فيه لرجال الدين، ولا دور لهم في تدبير الشأن العام.

< يعني أن هؤلاء يحاربون المرأة والحريات؟
< لا يهتم الأصوليون بنهب المال العام، ولا التهرب الضريبي، ولا الإجرام ولا بالأمية، ولا العنف ضد النساء، رغم خطورة هذه الظواهر على أمن المجتمع واستقراره، فهم يدركون أن هذه الظواهر لا تهدد سلطتهم وهيمنتهم على المجتمع، كما لا تساهم في تحرر المجتمع، وبناء الدولة المدنية، بل بالعكس يستغلون هذه الظواهر ليبرروا للناس الحاجة إلى تطبيق الشريعة.
ومن هنا يمكن الجزم بأن الأصوليين يحاربون حرية العقل والمرأة، لأن التحكم فيهما هو تحكم في المجتمع وتمكين للاستبداد، والمشروع المجتمعي للأصوليين قائم على الاستبداد باسم الدين.

< أثير موضوع الإرث، فشنت التيارات السلفية في المغرب حملة ضد أبي حفص وصلت إلى حد التكفير والتهديد.. هل تعتبر حالة أبي حفص تعبيرا عن رفض السلفيين لأي اجتهاد من خارج شيوخهم؟
< بالطبع، السلفيون الحنبليون كلهم نصّيون حرفيّون يرفضون الاجتهاد مع النص وفي النص، ويعطلون العقل والمصلحة من أجل قراءة حرفية للنص، حتى إن خالفت مقاصد الشريعة، فهؤلاء السلفيون يقدسون شيوخهم القدامى ويرفعون آراءهم إلى مستوى الوحي الإلهي.
ومن هذا المنطلق نفهم هجومهم على أبي حفص فقط لأنه اجتهد وفق المقاصد، وتحرر من حرفيّة النصوص، فكل من يجتهد في النص ومعه فهو عدو للسلفيين الحنبليين الذين هم نقيض للسلفية المتنورة مع محمد عبده وعلال الفاسي والعربي العلوي. ومادام أبو حفص خرج عن النهج الحرفي للسلفية الحنبلية فقد أعلن عنهم الحرب الفقهية وهاجمهم في عقر فقههم وخلخل المسلمات التي أقاموا عليها صروحهم وسلطتهم.
لقد أدركوا أن أبا حفص يهدد مصالحهم ويقوض أسس تفكيرهم، ويسفه دعواتهم بأن الإسلام صالح لكل زمان ومكان، وميزة أبي حفص أنه يعيد قراءة التراث الفقهي من داخله وبالأدوات نفسها التي استعملها علال الفاسي ومولاي العربي العلوي، أي يعيد للفقه المالكي المغربي اعتباره.

< بماذا تفسر استغلال المتأسلمين مثل هذه القضايا في تأليب الرأي العام ضد التيارات الحداثية؟
< أن يُنافس المتأسلمون التيار الحداثي معناه فشلهم الذريع، فهم واعون بقوة الحداثيين الفكرية ودقة أسلوبهم في طرح القضايا ومعالجتها بمنطق سليم يجعل عموم المواطنين يقتنعون به. وحتى يعزلوا التيار الحداثي عن المجتمع، لجؤوا إلى حيلة تشويه هذا التيار والتحريض ضده باستغلال المخزون الديني النفسي لدى عموم المواطنين، أي يوظفون الدين لتشويه سمعة الحداثيين والتحريض ضدهم.
الإسلاميون والسلفيون الحنبليون يدركون جيدا أن قوة الحداثيين في سلامة منطقهم، وقوة حججهم، ومن أجل عزل الحداثيين عن محيطهم الاجتماعي لجأ التيار الأصولي إلى اتهام الحداثيين، وكل المناهضين لسلطة الاستبداد بمحاربة الدين وشريعته، مستغلين هذا المخزون النفسي لعموم المغاربة وتقديسهم للدين.
وكما قلت من قبل، فإن الأصوليين يناهضون أي تجديد أو تحديث أو تغيير، لهذا هم يحاربون كل مداخل التحديث ودعاة التغيير. والقضايا المتعلقة بالإرث وحقوق المرأة والمثلية وحرية الاعتقاد تخدم الأصوليين وتفي بغرض استغلالها للتحريض ضد دعاة التغيير والتحديث.

< هل تعتقد أن سلطة التيارات الإسلامية تستمدها من الدين وسحب بعض القضايا من بين يديها بمثابة موت لها؟
< بكل تأكيد، فعموم المواطنين لن يتفاعلوا مع المطالبة بمناهضة نهب المال العام بالدرجة نفسها التي سيتفاعلون بها مع مسألة المساواة في الإرث أو حرية الاعتقاد أو المثلية مثلا.
ومجتمعنا ليس متحجرا، لكن بحاجة إلى انخراط الدولة ومؤسساتها في دعم هذه المطالب، وهنا أعطي مثالين: أولهما يتعلق بالمساواة في الإرث بين الذكور والإناث التي نصت عليها مذكرة وزارة الداخلية في الأراضي السلالية، فكثير من الجماعات السلالية تطبق المساواة في تقسيم الأموال المتحصلة من استغلال أو بيع الأراضي بالتساوي بين الذكور والإناث، ولا اعتراض من أفراد هذه الجماعات الذين يصل تعدادهم 12 مليون نسمة.
والمثال الثاني، يتعلق بمدونة الأسرة التي بها كثير من البنود التي ناهضها الإسلاميون وحرضوا ضدها واتهموها بمصادمة الشرع، لكن المواطنين لم يجدوا أدنى حرج في اعتمادها والدعوة إلى تطبيقها لأن الدولة تبنتها.
من هنا يخشى الإسلاميون أن تتبنى الدولة مطالب الحداثيين، لهذا نجد الإسلاميين يحاربون الحداثيين حتى لا تصير لهم قوة ضاغطة تستجيب لها الدولة.

< كيف يتقبل الرأي العام مثل هذه النقاشات، وهل تفتح أفقا من أجل كسر الطابوهات الدينية؟
< تجربة النساء مع مدونة الأحوال الشخصية في 1992 بينت أن النقاش حول قضايا حساسة أو تدخل ضمن الطابوهات سرعان ما يُسقط عنها كل قدسية، ويجعلها مثل بقية القضايا التي ينبغي إخضاعها للنقاش دون وصاية من أية جهة. لهذا نجد الأصوليين يعملون ما في وسعهم لإسكات الأصوات التي تناقش الطابوهات، حتى لا يتجرأ المواطنون على مناقشة كل القضايا التي تهمهم، واتهام أبي حفص وغيره من الكتاب والمفكرين والصحافيين والفنانين وكل الحداثيين بالردة والكفر، إنما الغرض منه عزلهم واستعداء المواطنين ضدهم، حتى لا يكون لهم أي تأثير على عقولهم.
لقد جعل الأصوليون المرأة وقضاياها السور الذي يحمون به مصالحهم، ويكرسون به هيمنتهم على المجتمع، وكلما ناقش المواطنون الطابوهات، إلا وتحرر المجتمع من سلطة الكهنوت الديني الذي يعمل جادا لاختراق مؤسسات الدولة بهدف ممارسة المراقبة القبلية على كل مشاريع القوانين وإجهاضها قبل أن تمر للمصادقة، بالإضافة إلى الضغط على الجهات الحكومية من أجل بلورة قناعات الإسلاميين في قوانين وتشريعات تكون ملزمة للشعب كما هو الشأن بالنسبة إلى مشروع القانون الجنائي الذي جاء به مصطفى الرميد، لما كان وزيرا للعدل، حيث شرّع فيه جرائم الشرف وحمى مرتكبيها.

لا وصاية على الفكر والضمير
< كيف تقيم حركة ضمير كل هذه النقاشات والمعارك؟
< إن حركة "ضمير" أعلنت في قانونها التأسيسي أن من أهدافها التأصيل لقيم العدل والحرية والمساواة داخل المجتمع وضمان الحقوق الأساسية للفرد المواطن، فضلا عن طرح كل القضايا على النقاش العمومي والعلني، إذ لا وصاية على الفكر والضمير.
وانخرطت الحركة في كل النقاشات التي همّت مواضيع مثلا الإجهاض، والمساواة في الإرث، وحرية الاعتقاد، فالمجتمعات التي تناقش كل قضاياها بكل حرية هي المجتمعات التي تضمن حدا أعلى من التماسك، بينما المجتمعات التي تفرض الوصاية على الضمير والمعتقد وتقيد الحريات الفردية أو تصادرها هي المجتمعات المهددة بالفتن الطائفية والتمزق الداخلي، فلا يمكن بناء مجتمع حداثي ديمقراطي بمصادرة الحريات والحقوق، أو فرض الوصاية على عقول المواطنين. وكلما ناقش المواطنون كل القضايا التي تهمهم كلما ازدادوا نضجا وإدراكا لأهمية قيم الحوار والاختلاف والتعايش وناهضوا، في المقابل، التنميط الفكري والفكر الأحادي .

أجرى الحوار: خالد العطاوي
في سطور
– باحث متخصص في الجماعات الإسلامية
– أستاذ الفلسفة بالقنيطرة
– من مؤلفاته "مشروع خطة إدماج المرأة… بناء التشريع المساند والتشنيع المعاند" و"الشيخ ياسين ووسواس المهدوية" و"الشيخ ياسين: من الدروشة إلى القومة" و"الحوار الموؤود والطوفان الموعود"

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق