ملف الصباح

حرية التدين مرآة الديمقراطية

المجلس العلمي اعتمد في فتوى المعتقد فقه العبودية وانحاز إلى الوجه الظلامي للتاريخ

قبل ست سنوات، هدد العدالة والتنمية، الذي يحكم المغرب لولايتين متتاليتين، بمقاطعة التصويت على أول دستور في عهد الملك محمد السادس، إذا ما تضمن تصريحا، أو تلميحا، أي عبارة أو إشارة يفهم منها تنصيصا على حرية المعتقد.
ووضع “بيجيدي” الهوية الإسلامية المغربية في كفة، وحرية المعتقد في كفة أخرى، وقال إنه لا يمكن القبول باثنين في الدولة نفسها، وإلا وقعت الفتنة. وخرج عبد الإله بنكيران، قبل تنصيبه رئيسا للحكومة، إلى الصحافة الدولية، مؤكدا “نحن لسنا ضد حرية العقيدة، لكن نخشى العواقب الوخيمة لهذا الحكم على هويتنا الإسلامية”، ثم أضاف “المغرب بلد مسلم له قوانينه الخاصة، ونحن قادرون على الدعوة إلى التصويت ضد الدستور المقبل”.
وأثير النقاش حول حرية المعتقد وتغيير الدين، أو ما يسميه بعض الإسلاميين الردة، بشكل جدي في المغرب، في بدايات النقاش حول وثيقة الدستور الجديد، إذ نصت بعض المقترحات الأولى على أن “الإسلام هو دين الدولة، لكن يضمن حرية المعتقد في إطار القانون ودون مساس بالنظام العام” .
وقاد الحزب وبعض قياداته حملة واسعة ضد مشاريع أفكار ومذكرات حزبية كانت تدافع عن الحق في التدين والاعتقاد وتضمنها الدستور الجديد، في الوقت نفسه لم يجد الحزب أي حرج في تقديم وثائق تأسيسية لمؤتمريه (المؤتمر الوطني السابع المنظم مباشرة بعد تشكيل الحكومة) تنص صراحة على حرية المعتقد.
كما أن أطروحته السياسية المنبثقة عن المؤتمر السادس تنص بالحرف على ما يلي: “مبدأ الحرية العقدية والدينية واجتناب أي شكل من أشكال الإكراه في الدين، عقيدة وشريعة وأخلاقا، مبدأ مطرد. والمعول عليه فيها هو الإقناع والاقتناع والرضى، وليس سلطة الدولة أو إكراهات القانون”.
الغريب أن بعض المؤتمرين أنفسهم الذين صادقوا على هذه الوثائق، كادوا يفجرون ورشة نقاش موضوعاتي نظمت تحت عنوان “حماية حرية الضمير مسؤولية فردية وجماعية” باقتراح من “حركة ضمير” ضمن فعاليات المنتدى العالمي لحقوق الإنسان المنعقد بمراكش من 27 إلى 30 نونبر 2014.
ويعلق الباحث محمد السعيد، عضو المكتب التنفيذي لمركز الدراسات والأبحاث الإنسانية “مدى” وأحد المدافعين عن حرية المعتقد وتغيير الدين في المغرب، بوجود إشكال كبير في الفهم والتعامل بانتقائية في هذا الموضوع بالذات.
وأكد السعيد، في تصريح لـ”الصباح”، أنه تناظر مع عدد من المتشددين في موضوع حرية الاعتقاد لعدد من المناسبات وكتب سلسلة من المقالات والدراسات خلص فيها إلى اعتبار حرية التدين أحد تجليات الديمقراطية بمفهومها السياسي والاجتماعي والثقافي.
وقال السعيد إنه ينطلق من قناعات أساسية، أهمها التزامات المغرب التي تفرض عليه تطبيق توصيات لجان حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، واحترام سيادة القانون في الممارسة تجاه المنتهكين لحقوق الإنسان، ونهج أسلوب المساءلة وعدم الإفلات من العقاب، ووضع خطة وطنية لحماية حقوق الإنسان والنهوض بها.

فقه عقيم
يعتقد السعيد أن احترام الحقوق الفردية والجماعية، خاصة منها الحقوق المتعلقة بحرية العقيدة، هو الإطار الذي تؤكد من خلاله الدولة المغربية على نضجها الحقوقي والديمقراطي، فهي بذلك تضع حدا لسياسة الخطوط الحمراء المضادة لحرية العقيدة، التي تفضي إلى إشهار سيف المس بالمقدسات في وجه عدد من الممارسين لحقهم في هذا المجال.
وعاد الباحث إلى واقعة إصدار المجلس العلمي الأعلى فتوى حول حرية المعتقد (الفتوى تمت مراجعتها أخيرا)، نافيا أن يكون الإسلام مصدرا للحرية بالنسبة للمسلم وحاكما على هذا الأخير على أن يبقى سجين دينه بقوة الوراثة البيولوجية وبالقوة القاهرة للسلطان، لا بقوة الإيمان والاقتناع.
واستدل السعيد بفقه الأولين في عصور الاستبداد الذي تعبر عنه حركة داعش الإرهابية اليوم، وقال “إن المجلس اعتمد على فقه عقيم، فقه ينزع للعبودية ولا يتطلع للحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، ناسيا، أو متناسيا دروس التاريخ في الحاضر و الماضي، ومنحازا لوجه من التاريخ الإسلامي، هو الوجه الظلامي بعينه ومغيبا فكر الحركة الإنسية التنويرية في هذا الشأن”.
يوسف الساكت

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق