بقلم: الفاضل الرقيبي في خطوة تحمل دلالات أمنية وسياسية عميقة، بدأت الحكومة الموريتانية سلسلة من الإجراءات الصارمة ضد أنشطة "بوليساريو" شمال البلاد، في تحرك غير مسبوق منذ سنوات، إذ حافظت موريتانيا على موقف حيادي ومتوازن في قضية الصحراء، وتجنبت الدخول في صدام مباشر مع "بوليساريو"، رغم التوترات التي خلفتها تحركات الجبهة عبر الحدود. وتأتي هذه الإجراءات، بعد تقارير استخباراتية دقيقة حذرت من أن الوضع غير قابل للاستمرار بمنطقة "لبريكة"، الواقعة شمال شرق موريتانيا، بعدما تحولت إلى مركز لوجستي أساسي لتموين الجماعات المسلحة الناشطة في منطقة الساحل، خاصة في شمال مالي. وأفادت التقارير الواردة من هذه البؤرة شبه المعزولة في قلب الصحراء، أن أنشطة تهريب المخدرات والأقراص المهلوسة والمحروقات لم تعد مجرد تجارة غير شرعية، بل تحولت إلى شبكة تمويل معقدة تدعم لوجستيا وماليا تحركات الجماعات المسلحة في منطقة الساحل، ما يشكل تهديدا مباشرا للأمن القومي الموريتاني، ويزعزع استقرار المنطقة ككل، فكان رد المؤسسة العسكرية بنشر وحدات متحركة من الجيش لإغلاق منطقة "لبريكة"، ونفذت عمليات ميدانية واسعة النطاق شمال البلاد في رسالة واضحة لـ "بوليساريو"، التي تجاهلت تحذيرات الدولة الموريتانية، واستمرت في التحرك بحرية في الشمال الموريتاني رغم أن الجيش الموريتاني أعلن، منذ 2017، هذه المنطقة "منطقة عسكرية مغلقة". وتجدر الإشارة إلى أن منطقة "لبريكة"، التي تقع في محور حدودي إستراتيجي يربط الجزائر ومالي بموريتانيا، أصبحت، حسب وسائل إعلام موريتانية، بمثابة "خزان وقود الإرهاب في الساحل"، وتشير التقارير إلى أن ما يقارب 400 طن من المحروقات يتم تجميعها شهريا في المنطقة من قبل قيادات بارزة في "بوليساريو"، على رأسها ما يعرف بـ"وزير داخلية الرابوني"، المدعو إبراهيم بيلا، من خلال تحويل مسار الكميات المحصل عليها من قبل السلطات الجزائرية، والتي تقدر شهريا بنحو 180 طنا من البنزين، و310 أطنان من "الديازل"، بحجة دعم الأنشطة المدنية والعسكرية للجبهة. ولعل المثير للجدل الدور البارز الذي يلعبه "إبراهيم الصغير"، شقيق زعيم "بوليساريو" في هذه الشبكة، إذ تشير التحقيقات إلى أن إبراهيم يتولى شخصيا إدارة عمليات جمع المحروقات وبيعها وتحويل أرباحها إلى نواذيبو الموريتانية، حيث يمتلك مكتبين للصرافة، يستخدمان في عمليات مالية يشتبه في ارتباطها بغسل الأموال، وتسهيل تمويل جماعات مسلحة، كما ظهر اسم القيادي سالم لبصير، الذراع الأيمن لزعيم "بوليساريو" في أكثر من تحقيق، وهو ما يؤكد أن نشاط "بوليساريو" في شمال موريتانيا لم يعد سياسيا أو حتى عسكريا فقط، بل تطور إلى شبكة اقتصادية موازية، تتداخل فيها المصالح العائلية والعلاقات التهريبية والتمويل الجهادي، في معادلة تهدد الاستقرار المحلي والإقليمي، في ظل هشاشة الحدود وغياب تنسيق فعال وتصاعد الاحتكاك الأمني بين دول المنطقة. القراءة الإستراتيجية لما يحدث في الشمال الموريتاني تشير إلى أن موريتانيا بصدد الخروج من سياسة "الحياد الإيجابي" إلى مرحلة "الحسم الوقائي"، إذ لم يعد مقبولا، من وجهة نظر الدولة، أن تكون أراضيها قاعدة خلفية لعمليات لا تخدم سوى مصالح ضيقة لأطراف خارجية، على حساب استقرار المنطقة، ويبقى السؤال المطروح الآن: هل نحن أمام بداية سياسة أمنية جديدة تقودها نواكشوط ضد الفوضى العابرة للحدود، حتى وإن كانت على حساب علاقات إقليمية حساسة؟.