خاص

الفتنة في الإسلام … الحرب بين جيش علي وجيش الجمل

تتضمن “قصة الفتنة” سردا للأحداث التاريخية التي أدت إلى وقوع الفتنة بين المسلمين عقب استشهاد عثمان بن عفان، اعتمادا على وقائع وشهادات تضمنتها كتب يتمتع اصحابها بالصدق والوثوقية.

إنها محطة هامة من تاريخ الإسلام تحولت فيها الخلافة بسبب الفتنة إلى دماء، إذ سيلي مقتل عثمان مقتل علي ثم قبله واقعة الجمل وواقعة صفين التي قسمت أهل المسلمين آنذاك إلى شطرين، اهل الشام وأهل العراق، كما ساهمت في بروز فرق ونحل أخرى، مثل الخوارج والشيعة والسنة…

كان المخطَّط خبيثًا، والكيد شديدًا، وكذلك كان التنفيذ دقيقًا؛ يقول ابن الأثير: «فغدوا مع الغَلَس وما يُشعَر بهم، فخرجوا متسللين وعليهم ظلمة، فقصد مضرهم إلى مضرهم، وربيعتهم إلى ربيعتهم، ويمنهم إلى يمنهم، فوضعوا فيهم السلاح، فثار أهل البصرة وثار كل قوم في وجوه أصحابهم الذين أتوهم”.

ظن جيش علي أن أصحاب الجمل قد خانوه، كما ظن جيش الجمل الظن نفسه بجيش علي؛ فاشتعل القتال، واضْطُرَّ الجميع للقتال، ولكن عليًّا كان حريصًا على إنهاء المعركة سريعًا تقليلاً للخسائر؛ لذا لما وجد جيش الجمل يدافع باستماتة عن الجمل الذي تركبه السيدة عائشة رضي الله عنها -وبه سُمِّيَت المعركة معركة الجمل- أمر جنوده بعقر الجمل لكي تخمد عزيمة المدافعين، وتنتهي المعركة، وقد كان.
اللافت للنظر أن كل الشواهد أثبتت صحة موقف علي من القضية؛ ففي أثناء المعركة وجد الزبير أن الهدف الذي خرج لأجله أصبح غير قابل للتحقيق؛ فترك ساحة المعركة عائدًا إلى المدينة، فأدركه رجل ممن كانوا معه يُدعى عمرو بن جرموز، فقتله وهو يصلي، وقد قُتِل أيضًا طلحة بن عبيد الله.

وقد أكرم علي السيدة عائشة رضي الله عنها، وأرسل معها أخاها محمد بن أبي بكر يوصلها إلى المدينة معززة مكرَّمة ومعها أربعون من نساء البصرة، فذهبت إلى مكة للحج ثم رجعت إلى المدينة.
كما أثبتت الحوادث صحة موقف الحسن بن علي -رضي الله عنهما- في دعوته أباه إلى عدم الخروج إلى أصحاب الجمل؛ كي لا يحدث قتال.

ومن الحقائق التي تم تزويرها ما جرى من تضخيم لأعداد القتلى في موقعة الجمل حتى روى بعضهم «أنه قُتِل في ذلك اليوم ثلاثون ألفًا». والواقع والمعقول أن الرقم الحقيقي أقل من ذلك بكثير؛ لأن عدد جيش علي أصلاً كان بين تسعة آلاف إلى اثني عشر ألفًا، وكان جيش الجمل قريبًا من ذلك، كما أن القتال كان قصيرًا للغاية «كانت وقفة واحدة في يوم واحد”، “وكانت الحرب أربع ساعات.”

لقد أراد أهل الفتنة أن يشوِّهوا تاريخ الصحابة ليطعنوا فيهم، وفي رسول الله ، كما أرادوا أن يضخِّموا نجاحهم ليستطيعوا جلب أنصار جدد من أهل الفتنة والضلال والشقاق؛ فأذاعوا هذه الأرقام المبالغ فيها، بينما رُويَ أن شهداء معركة اليرموك مثلاً كانوا حوالي «ثلاثة آلاف شهيد”.

لذا فما يبدو لنا أن عدد قتلى موقعة الجمل لا يتجاوز بضع مئات من الطرفين إن لم يكن أقل من ذلك.

بعد هذه الموقعة قرَّر أمير المؤمنين علي اتخاذ الكوفة عاصمة له بدلاً من المدينة، وأخذ من هناك يحاول توطيد أمر الخلافة في الولايات المختلفة.

كان معاوية وأهل الشام رفضوا البيعة لأمير المؤمنين علي قبل أن يقتص من قتلة عثمان -كما ذكرنا-، ولم يكن في نفس معاوية شيء من المشاقة أو العداوة الشخصية لعلي، وكذلك لم يكن به طمع في الخلافة كما يصوِّر المرجفون وأهل الفتنة. ومما يثبت ذلك أن معاوية لم يشارك مع أصحاب الجمل في الحرب، رغم أنه على رأيهم، ولو تدخَّل لصالحهم لكان جديرًا بما معه من قوة الشام الصلبة، وجنوده المطيعة من أن يرجِّح كفتهم، ولكنه لم يكن يود محاربة علي، ولا يجرؤ على التفكير في ذلك. يقول الإمام ابن تيمية: “ولم يكن معاوية ممن يختار الحرب ابتداءً، بل كان من أشد الناس حرصًا على أن لا يكون قتال”.

الطريق إلى موقعة صفين

قرر أمير المؤمنين علي أن يسير لقتال أهل الشام؛ ليلزمهم بالبيعة والطاعة، فقال له الحسن بن علي: “يا أبتِ، دع عنك هذا؛ فإن فيه سفك دماء المسلمين، ووقوع الاختلاف بينهم». فلم يقبل منه ذلك، بل صمَّم على القتال.

كانت تلك هي النصيحة الثانية من الحسن بعدم لقاء الجيوش حتى لا تحدث المواجهة، ويتدخل أهل الفتنة، ويصير القتال لازمًا؛ ومن ثَمَّ تسيل دماء المسلمين، ولكن أمير المؤمنين أصرَّ على رأيه.
اتجه أمير المؤمنين بجنده إلى النخيلة قريبًا من الكوفة وعسكر بها؛ لتوافيه جنود البصرة بقيادة واليها عبد الله بن عباس، ثم توجه إلى صِفِّين على شاطئ الفرات الغربي؛ فخرج إليه معاوية على رأس جيشه حتى نزل صفين أيضًا، وكان ذلك أوائل ذي الحجة سنة 36هـ.

رشيد باحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق