ملف الصباح

الصيام الحكومي طقس مغربي بامتياز

التصدي لحالة الانفلات الأمني وتنظيف الشوارع من الباعة المتجولين ووقف نزيف حوادث السير من مبطلات الإمساك

عفت حكومة عباس الفاسي، منذ أيام، عن لحية خفيفة وارتدت جلبابا أبيض ما فوق الكعبين وبلغة صفراء وانخرطت في صيام طويل، لا يمت بصلة إلى الشهر الفضيل، بل إلى سلوك سياسي مغربي بامتياز يعتبر أن بداية استحقاق انتخابي جديد يعني بالضرورة نهاية سابقه ومؤسساته القائمة، وفي مقدمتها الحكومة التي تشرع في حزم حقائبها استعدادا للمغادرة. فمنذ مارس الماضي الذي تزامن مع إطلاق دينامية الإصلاحات الدستورية والسياسية، فهم عدد من الوزراء والمسؤولين الحكوميين أن عليهم أن يودعوا من الباب الخلفي ويدركوا أن أحسن طريقة للتفاعل مع التحولات الجديدة قضاء ما تبقى لهم من أيام في صيام شبه تام عن أي عمل حكومي، لم يكن له مبرر على الإطلاق، على الأقل في إطار استمرار المرفق العام والحرص على عدم تجميد مفاصل الدولة في ثلاجة الانتظار.
لا ينازع أحد في حق الفاعل السياسي والحزبي في استشراف مقاربة استباقية للأحداث ولما ينبغي أن يكون في مستقبل الأيام وكيف ينبغي له، ما دام ذلك غاية الاجتهاد السياسي المطلوب والملتزم بقضايا المواطنين والناخبين الذين ظلوا يشكون دائما الارتجال وقصر نظر الأحزاب المغربية، لكن أن يقرر وزراؤنا الهروب بشكل جماعي والاستقالة من تدبير شؤون بلد يعيش ظروفا اقتصادية ومالية استثنائية ويكاد “يحترق” زيادات ويشتعل مظاهرات واحتجاجات اجتماعية شبه يومية على امتداد مناطق المغرب، ثم الانصراف إلى تنظيماتهم الحزبية لترتيب أوراقهم الانتخابية وتحالفاتهم المقبلة، فليس لذلك من توصيف غير “الضـــحك على الذقون”.
الغريب أن حكومة الفاسي أظهرت قدرة على تجنب كل أنواع المفطرات، أو كل ما من شأنه إفساد وإبطال صيام حكومي يصيب، اليوم تقريبا، جميع مفاصل الدولة وتتوقف عقارب الجميع على استحقاق 7 أكتوبر المقبل، حتى بات المغاربة أمام سؤال محير “واش باقي شي حاجة سميتها حكومة الفاسي؟”، ودليلهم على ذلك أن الوزير الأول، أو أول رئيس للحكومة حسب الدستور الجديد، لم يظهر له أثر منذ أمد بعيد كأن الأرض انفتحت فجأة وابتلعته، ولولا تلك الجلسات الحكومية التي تنقلها دار البريهي برتابة مقيتة لبادرنا إلى الاتصال بأقرب مركز للإغاثة بحثا عن حكومتنا الموقرة.
ولأنها صائمة متخشعة في انتظار لحظة الانتخابات المقبلة، تعتبر حكومة الفاسي، مثلا، أن وضع حد لحالة التسيب والانفلات الأمني التي تشهدها عدد من المدن المغربية، تحت ذريعة الاحتجاج والمطالب بالشغل والتغيير، قد يكون أحد أسباب مفطرات هذا الصيام الحكومي. وحسب هذا المنطق، لا يجوز للصائم التدخل، بأي وجه من الأوجه، لفك الحصار على مرافق عمومية حيوية احتلها متظاهرون، أو التصدي لنوايا الإحراق والتخريب لما في ذلك من تهديد صريح بإبطال الإمــــساك.
من مبطلات الصيام الحكومي، أيضا، إنهاء حالة الاحتلال غير المعلنة للشوارع والأزقة بجل المدن من طرف الباعة المتجولين وأصحاب العربات والحمير والبغال الذين استغلوا حالة الدروشة التي تمر منها السلطات الحكومية لتشكيل سلطة مضادة في الفضاءات العامة يقودها “الفراشة” باطئمان كبير، وهم يزحفون كل يوم على مساحات جديدة حتى أضحت الطرقات العمومية بمدينة بحجم الدار البيضاء مثل خرم إبرة.
الحكومة تعتكف في محرابها ولا يهمها من بعيد أو قريب دوائر الزمن السياسية ومقالب الانتخابات وقوانينها التي تتكلف وزارة الداخلية بتهيئتها على نار هادئة استعداد للفصل المقبل، كما لا يعنيها أن تتحول الطرق الوطنية الرئيسية والثانوية إلى مقابر جماعية لضحايا حوادث السير بعد السقوط المدوي لمدونة قانون السير وإجراءاتها الصارمة التي لم تنجح في وقف نزيف الدماء والأرواح والأشلاء.
لا عليكم، فالحكومة صائمة، رجاء قليلا من الإزعاج.

ي . س

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق