ملف الصباح

“الترمضينة”… عراك وخصومات وقلة إيمان

السب والشتم وتبادل اللكمات وإزهاق الأرواح وإلحاق العاهات المستديمة الجزء الظاهر من جبل “الترمضينة”

عشية الثلاثاء الماضي ساعتين قبل موعد الإفطار كانت سيارة أجرة كبيرة تتقدم بسرعتها الاعتيادية على جادة شارع سيدي محمد بن عبد الله بالحي الشعبي العكاري بالعاصمة الرباط. حشد من الناس يتحلقون حول أمر ما، سائق السيارة بدأ يخفف السرعة تدريجيا، بعض المتحلقين يشرئب بعنقه يبغي التملي في ما يحدث في وسط الحلقة التي شكلها أطفال وشباب ورجال..وحتى بضع فتيات ونسوة.
الترمضينة والحشد المتجمهر
سائق سيارة الأجرة مازال يخفف السرعة حتى توقف تماما على بعد ثلاثة أو أربعة أمتار عن الحشد المتجمهر. السائق، والركاب بدورهم، انتابتهم حالة فضول كبيرة. نظرات تتطلع إلى المشهد متسائلة «ما الذي يحدث حتى تتم عرقلة السير بهذا الشكل؟». أبواق السيارات في الخلف يشتد زعيقها وصياح سائقيها. مزيد من الفضوليين يلتحقون بالحشد المتحلق، بدورهم يشرئبون لاستطلاع ما يقع. قاموس ناب وفاحش وقذر، في واحد من مساءات شهر المغفرة والتوبة، تتناثر كلماته من وسط الجمع. فحش الكلمات يطول الملة والرب والآباء والأمهات. فجأة انسل من وسط الجمع شاب الجزء العلوي من جسده   عار، الشاب يبدو في حالة هيجان وسعار بالكاد يرى معها من أمامه. الشاب تائه بناظريه في الأرض يبحث عن شيء ما. لم يطل بحث الشاب حتى تراءى على رصيف الشارع شيء جعله يركض صوبه كمن أصابه مس من الجنون.
في لمح البصر بلغ الشاب الهائج الرصيف. ينحني. يلتقط حجرا ضخما أكبر من مساحة كف يده اليمنى. يعقب متوجها صوب الجمع الذي انفض. فمه لا يتوقف عن نفث كلام فاحش وساقط. أمامه في المكان الذي كان يتحلق فيه جمع الفضوليين انتصب شاب متوسط الطول، بشعر كث ومنفوش.  
ذو الشعر الكث والمنفوش بدوره يرسل صبيبا من الألفاظ القذرة والساقطة. يتحدى خصمه إن كان بمقدوره رميه بالحجر الذي بيمينه، ويتوعده شر عاقبة إن أمسك به. يدنو الذي يحمل بيمينه حجرا، يدنو ثم يدنو حتى لم يعد يفصله عن نده إلا بضعة أمتار، يشرع في حركة دائرية بطيئة يحوم فيها حول خصمه، وشلالات الفحش والقذارة مازالت تتدفق مدرارة.
فجأة يشد ذو الحجر يمينه إلى الخلف ويطوح بها راشقا خصمه بحجر حجمه كحجم رأس الشاب كث الشعر، الذي لو لم يستغل أجزاء المائة من الثانية التي فصلت بين رشق الحجر وبلوغ رأسه…لكان اليوم الثامن من الشهر الكريم آخر أيامه. الحجر لم ينل من منفوش الشعر، لكنه هشم الزجاج الأمامي لسيارة الأجرة التي توقف سائقها مجبرا ينتظر انفضاض التجمهر الذي أقفل الطريق في وجه حركة السير.
تشظت قطع الزجاج داخل السيارة وتناثرت حتى طالت الأربعة الجالسين في المقاعد الخلفية. المتهور الذي قذف الحجر أطلق ساقيه للريح مخلفا وراءه حالة من الذعر والهلع في صفوف الركاب الستة وسائقهم، ومظاهر الذهول وسط المتجمهرين. تلهج ألسنة بعض الشيب من المتجمهرين بالحوقلة ودعاء اللطيف، ويتعالى صياح المراهقين والشباب وصفيرهم، ويضرب سائق سيارة الأجرة أسداسا في أخماس، لا يدري ما يقدم ولا ما يؤخر.
«ليس لله حاجة في صيامه»
بعض الذين كانوا متحلقين حول العراك الذي دار منذ لحظات بدؤوا في تقديم التحليلات والتفسيرات لما حدث. كلهم تقريبا أجمعوا على أن «الترمضينة» كانت هي الدافع إلى ما حدث، ملقين باللائمة على «القطعة» (أي أن ما وقع كان بسبب انقطاع الشابين المتهورين عن تدخين أو تعاطي ما اعتادوا من مخدرات)، أصوات قليلة فقط هي التي ذهبت إلى كون ما وقع كان بسبب الطيش والتهور وقلة حياء وأدب المتعاركين، كما لم يهملوا إدراج قلة عناصر رجال الأمن أو غيابهم ضمن الأسباب.
الحادثة اتخذت من مكان قريب جدا من مقر الدائرة الأمنية الخامسة مسرحا لها. التجمهر وزعيق أبواق السيارات وعرقلة السير بأهم شارع بالحي الشعبي العكاري لم تثر ولا رجل أمن واحد ليتدخل لوضع حد للمعركة التي ستكلف سائق سيارة الأجرة أياما من العمل.
شهر رمضان الذي أُنزل فيه القرآن تجرد لدى الكثير من المغاربة، شيبا وشبابا، من عدد من قيمه الدينية النبيلة ومعانيه الروحانية المقدسة، وتحول إلى مجرد شهر للمعارك والخصومات، يتبادل خلاله كل نزق ومتهور ألوانا من العدوانية والعنف في مظهريهما المادي والمعنوي. الكثيرون صار لديهم شهر التوبة والغفران شهرا للانقطاع عن غريزتي البطن والفرج لا أكثر.
على امتداد مدن المملكة وقراها ومداشرها لم يعد يمر يوم من أيام رمضان دون أن يسمع المرء عن جريمة قتل أو اعتداء بدني أو عراك أو خصومة، الصائم المفترض أن يكظم غيظه وان يحتسب عند الله وأن يردد مع أمة المسلمين ما تناقلته كتب الحديث عن نبي الأمة محمد عليه أفضل الصلاة والسلام لما قال في الحديث الذي رواه الإمام البخاري ومسلم نقلا عن أبي هريرة رضي الله عنه، «الصيام جنة، فلا يرفث ولا يجهل، وإن امرؤ قاتله أو شاتمه، فليقل إني صائم مرتين»، صدق رسول الحكمة والمحبة الذي قال أيضا في جزء من حديث له عن قول الزور «… فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه”، ولسان حال الشارع المغربي يقول «من لم يدع أفعال الشياطين وضعيفي الإيمان طيلة أيام الشهر الكريم…فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه».

محمد أرحمني

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق