fbpx
ملف عـــــــدالة

زعزعـة للثقـة

الاستقلالية في المحك واستفهامات حول فرض وسيلة إثبات خارج القانون

أثار منشور وزير العدل، الموجه إلى الوكلاء العامين لدى محاكم الاستئناف، يطالبهم من خلاله بإشعار الموثقين والمحامين والعدول، بضرورة تجهيز مكاتبهم بتقنية التسجيل الصوتي البصري عند توثيق العقود و تسجيل كل ما يدور بمجالسها والاحتفاظ بها للرجوع إليها عند الحاجة، علامات استفهام كبيرة لدى المهنيين، وسخط  الموثقين، الذين اعتبروا الإجراء الجديد، بدعة مخالفة للقانون.

وأولى تجليات البدعة، انبنت أساسا حول حق الوزير أن يسن بصفة انفرادية وخارج المؤسسة التشريعية، وسيلة جديدة من وسائل الإثبات، دون تلك التي ينص عليها قانون الالتزامات والعقود، وثانيها أن الأمر الوزيري الموجه إلى المرؤوسين من ممثلي النيابة العامة، يمس بمبدأ استقلالية الموثق. فالموثق وإن كان خاضعا إلى مراقبة الوكيل العام لدى محكمة الاستئناف التي يعمل بدائرة نفوذها، فإن عمليات المراقبة التي تمارس عليه، تبقى خاضعة لأحكام القانون المنظم لمهنة التوثيق وليس لمزاجات ظرفية وأهواء شخصية، إذ أن المادة 57 من قانون 32.09 المنظم لمهنة التوثيق تنص على أن الموثقين يخضعون في ما يخص عملياتهم الحسابية أو الأموال و القيم المودعة لديهم أو التي يتولون حساباتها، أو في ما يخص صحة عقودهم وعملياتهم واحترامهم للقانون المنظم للمهنة لمراقبة مزدوجة يتولاها الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف والوزارة المكلفة بالمالية، وتتم بحضور رئيس المجلس الجهوي للموثقين. أما ثالتها فتنصرف إلى مدى انسجام المنشور مع قانون حماية المعطيات الشخصية.

ويفهم من خلال ذلك أن المشرع جعل من المراقبة التي تتولاها النيابة العامة على الموثق مراقبة بعدية فقط، ولايمكن أن تتعداها لتأخذ شكل أوامر أو قرارات صادرة عنها في مواجهة الموثق، وهو ما يتأكد من خلال قراءة المادة الأولى من قانون المهنة التي تؤكد أن التوثيق مهنة حرة تمارس وفق الشروط وحسب الاختصاصات المقررة في القانون المنظم لها وفي النصوص الخاصة بها، وبطبيعة الحال فإن المنشور الصادر عن وزير العدل والحريات لايمكن أن يرقى إلى رتبة قانون ولا يمكن أن يفرض على الموثق التقيد بإجراءات وشكليات أخرى غير تلك التي نص عليها المشرع في الباب الثاني من القسم الثاني من القانون  المنظم لمهنة التوثيق والتي جاءت تحت عنوان «تحرير العقود و حجيتها».

من جهة أخرى فإن وزير العدل والحريات يمارس الاختصاصات الموكولة إلى وزارة العدل بمقتضى المرسوم رقم 2.10.310 الصادر في 11 أبريل 2011 والذي يحدد مجال تدخل مديرية الشؤون المدنية التابعة لوزارة العدل والحريات في السهر على حسن سير ممارسة المهن القانونية والقضائية ومراقبتها وفقا للصلاحيات القانونية المخولة لها، ومعلوم أن المهن القانونية والقضائية هي مهن المحاماة والتوثيق والعدول والمفوضين القضائيين والتراجمة.

هذه التجاوزات للقانون، دفعت البعض إلى التساؤل، حول دوافع الوزير من إصدار منشوره و توجيهه عن طريق الوكلاء العامين لمحاكم الاستئناف واستعماله لصيغة الوجوب؟ و لماذا لم يكتف بتوجيهه، مثلا، إلى رئيس الهيأة الوطنية للموثقين الذي يعتبر الجهة المخولة قانونا لتمثيل المهنة تجاه الإدارة خاصة، خصوصا  أن هذا الأخير حضر أشغال آلية التتبع التي أنشأها وزير العدل مباشرة بعد توصله بالرسالة الملكية في 30 دجنبر 2016، والتي أوكلت إليها مهمة وضع خطة عاجلة من أجل التصدي لظاهرة الاستيلاء على أملاك الغير..

ثم هل كان اعتراض عبد اللطيف يكو، رئيس هيأة الموثقين على مقترح استعمال تقنية التسجيل السمعي البصري، كما جاء في البيان الذي أرسله إلى جميع الموثقين، أحد الأسباب التي دفعت المصطفى الرميد إلى الإسراع بتوجيه المنشور إلى النيابات العامة مستعملا صيغة الوجوب أم أن ذلك تم في إطار تشاركي وبتوافق مع الهيأة، مادام الوزير نفسه يحرص دائما على القول إنه يعمل في إطار تشاركي!

أسئلة وأخرى مازالت تنتظر الجواب، وتسائل مسؤولي المهن القضائية حول المبدأ الذي يستمدون منه الصفة والثقة، هل القسم أم الكاميرا؟

المصطفى صفر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى