fbpx
ربورتاج

الممتلكات الجماعية… الورطة

مجلس المدينة حمل البيضاويين تكاليف معركة قضائية طويلة لإفراغ عقارات بعينها وغموض يلف مستقبل استغلالها

طفت على السطح مجموعة من الاختلالات في تدبير ملف الممتلكات الجماعية بالبيضاء، التي تعود إلى عهد محمد ساجد، الرئيس السابق، وعرف تحولا كبيرا في فترة تدبير المجلس الحالي، الذي يديره “بيجيدي”، إذ ما فتئ العمدة عبد العزيز عماري، يستغل هذا الملف خلال فترة الانتخابات الجماعية، وبعد ذلك أثناء تسيير المجلس، انسجاما مع شعار الحزب الدائم “محاربة الريع”، في الوقت الذي لم يتم إنجاز، أي دراسة أو جرد موضوعي لهذه الممتلكات، التي لا يمكن تحديد
عددها حتى الآن، أو إيجاد حل للنزاعات القانونية التي نشأت بين الجماعة ومستغلي بعض الأملاك. ويتعلق الأمر بملفات كبرى ما زالت عالقة في هذا الشأن، مثل منتجع “بارادايز” ومقهى “السقالة”،
وكذا سوق الجملة القديم “مارشي كريو”، الذي أظهر تحولا أخيرا، في طريقة معالجة المجلس لملف تدبير الممتلكات الجماعية، من خلال الانتقال إلى التنفيذ الفعلي لمقررات
الإفراغ الجماعية، بعيدا عن أحكام المحاكم والقرارات القضائية، ما يطرح التساؤل حول الغايات التي تحرك مدبري هذا الملف، في ظل الحديث عن مخطط
لتفويت بعض الممتلكات، موضوع النزاع، إلى جهات بعينها بمزايا تفضيلية، قيد الإعداد حاليا، في كواليس القرار بالعاصمة الاقتصادية.

بدر الدين عتيقي  – تصوير: (عبد الحق خليفة)

لا يستقيم فهم مشاكل تدبير الممتلكات الجماعية، دون العودة بالزمن إلى الوراء، تحديدا بداية الألفيـة الحاليــة، والمقصود هنا، ملفات الممتلكــات الثلاثة، الأكثر شهـرة، يتعلــق الأمر بمنتجع “بارادايز” ومقهـى “السقالة” وسوق الجملة القــديم “مارشي كريو”، إذ تم تفويتها إلـى مستغليها الحاليين بصيغ تعاقدية مختلفة، توزعت بين طلب العروض والاتفاق المباشر، مقـابل سومــة كرائيـة وشروط استثمار محددة سلفا، سرعان ما تحولت إلى نقائص ومبررات لطلــب فسخ التعاقد بحلول 2013، حين دشن محمد ساجد، رئيس مجلس المدينة آنذاك، حملة لاستعادة ممتلكات الجماعة الحضرية للبيضاء، بسلوك مساطــر إدارية وقـانونية ملتبسة، من خلال مقررات جماعية لإنهاء التعاقد والإفراغ، قبل أن يتم تصحيحها من قبل القضاء الإداري، ففاز المكترون بأولى الجولات في مواجهة المجلس المذكور، الذي حول هذا الملف إلى جمــرة، قـذفها بين يدي المجلس الموالي، بقيادة حزب العدالة والتنمية.
كلف مجلس المدينة شركة التنمية المحلية “البيضاء للتراث”، بإحصاء وجرد الممتلكات الجماعية، رغم التقديرات التي تفيد وجود 400 عقار في هذا الشأن، إلا أن تنفيذ هذه المهمة ظل معقدا، لعدم توفر الإمكانيات المالية والموارد البشرية اللازمة لإنجاز الجرد، علما أن المجلس سعى قبل ذلك، إلى إعداد الأرضية القانونية الخاصة به، من خلال التوقيع على اتفاقيتين مع الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية، من أجل ضمان صحة وسلامة الوثائق الخاصة بالممتلكات، التي كانت مسجلة في ما مضى تحت الاسم القديم للجماعة، قبل تغييره إلى التسمية الحالية، بعد دخول نظام وحدة المدينة حيز التنفيذ في 2003.
كلفة التقاضي

ظلت المحاكم الطريق الأيسر بالنسبة إلى ساجد وبعده عماري، من أجل استعادة الممتلكات الجماعية، التي يستغلها خواص بموجب اتفاقيات ثنائية، بعضها ترعاه الدولة، ممثلة في ولاية البيضاء الكبرى آنذاك، إلا أن التجربة أثبتت فشل هذا الاختيار، إذ خسر مجلس المدينة نزاعاته القضائية أمام شركة “ديمكو” المملوكة لعائلة الشعبي، في ملف سوق الجملة القديم “مارشي كريو”، وكذلك الأمر بالنسبة إلى مقهى “السقالة”، ضد شركة “رستو برو”، وملف “باردايز”، ضد شركة “بلان سيال”، التي تحوز جميعها أحكاما بإيقاف التنفيذ، قبل أن ينتقل المجلس أخيرا، إلى التنفيذ الجبري خارج المحاكم، لمقرر جماعي في ملف السوق المذكور، إذ استعان بالقوة العمومية لإجبار الشركة المستغلة على الانسحاب من العقار، رغم احتجاج محاميها حول سمو مقرر على حكم قضائي، والشروع في تنفيذ الإفراغ في ملف ما زال رائجا أمام المحكمة.
ويتحدث مصدر مقرب من ملف مشكل الممتلكات الجماعية للبيضاء، عن سوء تدبير ومعالجة مجلس المدينة  لهذا الملف، الذي يشبهه بعض المستشارين في المجلس بمعركة “داحس والغبراء”، التي استمرت طيلة 40 سنة دون غالب أو مغلوب، الأمر الذي يظهر أيضا، من خلال ارتفاع تكاليف التقاضي والأحكام الصادرة ضده، التي سيتحملها البيضاويون في النهاية. وحتى بعد تمكن المجلس من تنفيذ الإفراغ في ملف “مارشي كريو”، فإن شركة “ديمكو” ستستمر في مسلسل التقاضي، وستطلب تعويضات عن الاستثمارات التي أنفقتها على العقار، في ظل عدم سلامة المسطرة القانونية المتبعة أخيرا، من أجل الحصول على الملك الجماعي المذكور، حسب قانونيين، اعتبروا فعل التنفيذ تحقيرا لمقرر قضائي. ويوضح المصدر ذاته، أن مكتب المجلس الحالي رفض التواصل مع مستغلي الأملاك، موضوع النزاع القضائي، رغم سعيهم لإيجاد حل ودي للنزاع القضائي القائم، من خلال تحيين السومة الكرائية أساسا، علما أنهم يحتجون في دفوعاتهم أمام القضاء، بسلامة وضعيتهم القانونية والتعاقدية، واستثمارهم مبالغ مالية ضخمة لتحويل العقارات المتحصل عليها من الجماعة، إلى فضاءات مجهزة ذات مردودية مالية، وإحداثهم فرص شغل مهمة.

“السقالة”… حالة خاصة

حالة مقهى “السقالة”، تنقل جزءا من الصورة الكبرى لمخطط تدبير الممتلكات الجماعية، المحاط بسرية كبيرة من قبل رئاسة مجلس المدينة، التي لم تفتح باب الحوار مع مسؤولي شركة “رستو برو”، المستغلة للفضاء منذ 2001، بموجب عقد شراكة مع الجماعة، بحضور طرف ثالث في هذا التعاقد، متمثلا في ولاية جهة البيضاء الكبرى سابقا، إذ تقدمت الشركة بطلب لاستغلال فضاء “السقالة”، إلى إدريس بنهيمة، الوالي السابق، إذ كان يحوي مقهى لألعاب الحظ ، ويصنف بؤرة للجريمة والاضطرابات الأمنية في المدينة القديمة، قبل أن يتحول من خلال غلاف استثماري ناهز بنهاية 2013 مليار سنتيم، إلى وجهة سياحية بمردودية مالية مهمة.
لم تتجاوز التوقعات المالية في البداية، من أجل تجهيز الفضاء سقف 250 مليون سنتيم، إلا أن المبلغ سرعان ما قفز إلى 580 مليونا خلال فترة وجيزة، وظفت خلالها الشركة خبرتها الطويلة في مجال تدبير المطاعم وفضاءات الترفيه، ليتحول مقهى “السقالة”، إلى قطب سياحي في العاصمة الاقتصادية، بعد أن خضع لأشغال إعادة تهيئة واسعة، همت حتى الواجهة الأمامية، التي تظل مفتوحة في وجه جمعيات المجتمع المدني، تستغلها في أنشطتها المختلفة، علما أن الأجانب يمثلون نسبة تتراوح بين 60 % و70 من زبناء الفضاء يوميا.
ويرفض مسؤولو “رستو برو” التفريط في استثماراتهم بمقهى “السقالة” خارج القانون، موضحين أنهم استندوا في الدعوى القضائية التي كسبوها في مواجهة مجلس المدينة، إلى بند في الاتفاقية المشار إليها، ينص على تجديدها بشكل تلقائي، بعد مرور أجل 30 يوما من انتهاء أمد التعاقد المحدد في 10 سنوات، بين 2001 و2011، إذ تلقوا رسالة من المجلس قبل نهاية أجل الاتفاق، يخبرهم برغبته بالتجديد على أساس شروط جديدة، تهم مراجعة السومة الكرائية، لترد الشركة بالإيجاب، إلا أنها لم تتلق أي تفاعل من قبل الطرف الآخر حتى 2013، حين تفاجأت بمقرر جماعي يجبرها على إعادة الفضاء إلى الجماعة الحضرية للبيضاء، ليلجأ مسؤولوها إلى القضاء الإداري، الذي حكم لصالحهم لمناسبتين.

إعدام “بارادايز”

إذا كان استغلال مقهى “السقالة” مر عبر قناة الاتفاق المباشر مع السلطات، فإن عقد استغلال المنتجع الترفيهي “بارادايز” في عين الذئاب، اتخذ صيغة طلب عروض عمومي معلن من قبل الجماعة الحضرية آنفا آنذاك، فازت به شركة “بلان سيال”، وتعهدت من خلاله باستثمار ما قيمته ثلاثة ملايير و300 مليون سنتيم (33 مليون درهم) خلال فترة عشر سنوات، تحديدا بين 2001 و2011، استنادا إلى دفتر تحملات خاص، تضمن مجموعة من الشروط، همت تجديد المنتجع الترفيهي وإضافة تجهيزات أخرى.
مسؤولو الشركة، التي تشغل حاليا، بين 89 أجيرا قارا و140 خلال فترات الذروة، بادروا إلى الاستثمار في أول منتجع ترفيهي”حلال” في عين الذئاب، حسب تعبيرهم، باعتباره متنفسا للأسر والأفراد في البيضاء، التي يعاني سكانها خصاصا في الفضاءات الترفيهية العمومية، وأنفقوا مبالغ مالية مهمة لتحويل المنشأة إلى منتجع سياحي بمواصفات عالية، لتصل قيمة هذه الاستثمارات إلى حوالي خمسة ملايير و118 مليون سنتيم (51 مليونا و177 ألفا و544 درهما) بنهاية فترة التعاقد (10 سنوات)، حسب تقييم الخبرة المحاسباتية، التي أمرت بها المحكمة بعد نشوب نزاع قضائي بين الطرفين.
وتحدث مسؤول من “بلان سيال”، الشركة المسيرة لمنتجع “بارادايز”، عن تلقيهم اتصالا من قبل مجلس الجماعة الحضرية أنفا، بشأن مقترح يهم بناء فندق من فئة خمس نجوم، بطاقة استيعابية تصل إلى 100 غرف، إلى جانب موقف خاص للسيارات، إذ تم إقرار هذا المقترح والموافقة عليه بالإجماع في الدورة العادية للمجلس بتاريخ 4 غشت 2003، استنادا إلى ملحق جديد، أضيف إلى عقد الاستغلال الأولي، تضمن تخصيص مبلغ ستة ملايير سنتيم (60 مليون درهم)، لبناء الفندق المذكور، والالتزام بالشروع في أشغال البناء في أجل أقصاه 2006، إلى جانب تحيين السومة الكرائية للعقار، التي انتقلت بعد 16 مارس 2011، من 135 مليون سنتيم سنويا إلى (180 مليونا و800 ألف درهم)، حتى 16 مارس 2016، و225 مليون سنتيم (مليونان و250 ألف درهم) بحلول التاريخ ذاته في 2021.
وبموجب الملحق الجديد، امتد التعاقد بين الطرفين إلى 45 سنة، قبل أن يتلقى مجلس الجماعة الحضرية أنفا، ضربة قوية في هذا المشروع من قبل الوكالة الحضرية للبيضاء، التي رفضته بداعي تعارضه مع تصاميم ومخططات تهيئة، تهم الوعاء العقاري الذي يحتضن منتجع “بارادايز”، ليتم تجميد مشروع الفندق بقرار من الوكالة، بينما ظلت شركة “بلان سيال” ملتزمة بالتزاماتها التعاقدية إلى غاية 2013، حين تلقت أول مقرر جماعي بفسخ عقد الاستغلال، بداعي إخلالها بواجباتها الاستثمارية وعدم أدائها السومة الكرائية، ما دفعها إلى اللجوء إلى المحكمة الإدارية، لتنخرط في معركة قضائية طويلة ضد مجلس المدينة، حازت خلالها ستة أحكام لصالحها.
وتطرح الطريقة التي يدبر بها مجلس المدينة مشكل تدبير الممتلكات الجماعية، التي لم يتم إنجاز جرد واف وشفاف لها حتى الآن، مجموعة من التساؤلات حول دواعي إعدام منتجع ترفيهي مثل “بارادايز”، والتركيز على ممتلكات بعينها دون الأخرى، في الوقت الذي يتم استغلال مجموعة من أملاك جماعة البيضاء خارج القانون، يتعلق الأمر مثلا، بموقفي السيارات التابعين لفندقي حياة ريجنسي و”صوفيتيل”، وكذا مسبح الفندق الأول، ومجموعة من الشقق والفيلات، تفيد مصادر بخسارة المجلس الملايير بسبب عدم استغلالها وتحصيل مداخيل عنها.

“بيجيدي” ينفرد بتسيير المدينة

تظهر خصوصية الصيغة الجديدة التي تبناها مجلس المدينة، بقيادة “بيجيدي”، في معالجة مشكل الممتلكات الجماعية، من خلال تغييب أعضاء لجنة المرافق العمومية والممتلكات والخدمات بجماعة البيضاء، التي يرأسها التجمع الوطني للأحرار، قسراـ عن المشاركة في تدبير هذا المشكل، إذ نفى أحمد بنبوجيدة، رئيس اللجنة، في اتصال هاتفي مع “الصباح”، غداة إفراغ ملك “مارشي كريو” من مستغليه بفترة قصيرة، علمه بهذه الواقعة أو التنسيق معه حولها، مؤكدا استحالة الوصول إلى المعلومة حول ملفات الممتلكات العالقة في المحاكم حتى الآن، علما أن النظام الداخلي لمجلس جماعة البيضاء المصادق عليه في دورة أكتوبر 2015، يؤكد في مادته 24، أن رئيس المجلس الجماعي يزود اللجان بجميع المستندات والوثائق والمعلومات الضرورية لمزاولة مهامها، موضحا أن العمدة عبد العزيز عماري، القيادي البارز في حزب العدالة والتنمية، لا يجتمع باللجان، خصوصا اللجنة المذكورة، باعتبارها دائمة، ويكلف نائبه عبد الصمد حيكر بهذه المهمة، وهو المسؤول الذي يدبر بشكل مباشر مخطط إفراغ ممتلكات الجماعة من مستغليها حاليا.

ماذا بعد الإفراغ ؟

تمكن مجلس المدينة الجديد، الذي تبنى صيغة أخرى في تدبير مشكل الممتلكات الجماعية، من استعادة المركب الرياضي زناتة أخيرا، ما شجعه على بحث سبل استرجاعه باقي الممتلكات الجماعية، خصوصا الظاهرة منها، وأطلق طلب عروض من أجل إيجاد مستغل جديد للمركب، إلا أن هذه العروض اختزلت توجها جديدا، لتفويت الممتلكات المذكورة إلى جهات معينة، بالنظر إلى عدم التوفر على رؤية ومشاريع واضحة، خاصة بمآل هذه الممتلكات بعد تسلمها، وهو الأمر الذي ظهر من خلال طريقة استعادة سوق الجملة القديم “مارشي كريو”، الذي يسعى المجلس إلى تحويله إلى مركب سوسيو رياضي بغلاف مالي قدره 20 مليون درهم، وسط حي “بلفدير”، الذي تؤكد مؤشرات بنيته التحتية، عدم حاجته لمنشأة من هذا النوع، حسب أحمد بنبوجيدة، رئيس لجنة المرافق العمومية والممتلكات والخدمات بمجلس جماعة البيضاء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى