خاص

بانوراما الصيف: صلاح الوديع… حكايات ما بعد السجن 3

مقاربة بنزكري للعدالة الانتقالية أقنعتني باستئناف دورة جديدة من الكفاح

فضل الشاعر والحقوقي صلاح الوديع أن يعود بذاكرته قليلا إلى الوراء ويتحفنا في هذه الدردشة المتحررة من كل القيود، بوقائع عاشها وساهم فيها من موقعه الحقوقي بعد خروجه من السجن.
فضل الوديع تذكر ما جرى في حوالي العشرين سنة الأخيرة من منظور حميمي، ليروي ل”الصباح” أهم حدث عرفته عشرية

حكم الملك محمد السادس، والمتمثل في تأسيس هيأة الانصاف والمصالحة التي جاءت بقرار سياسي من ملك جديد أراد أن يطوي صفحة ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان، وأن يكون ضحاياها فاعلين في وضع سياسة العدالة الانتقالية بالمغرب، ومن ثمة كان ميلاد المنتدى المغربي للحقيقة والانصاف الذي كان المرحوم ادريس بنزكري أول رئيس له، إلى جانب كل من الوديع ومصدق والرويسي والصبار وآخرين، بداية مرحلة البحث عن الحقيقة ورسم معالم عدالة انتقالية وفق تصور استراتيجي يروم جبر ضرر الضحايا ضمن مقاربة شاملة هدفها دمقرطة مؤسسات الدولة وضمان عدم تكرار ما جرى.
بوح الوديع المتحرر من كل القيود بتفاصيل رحلته الحقوقية إلى جانب رفيق دربه بنزكري وآخرين، يأتي في لحظة مفصلية من تاريخ المغرب تتسم بتبني دستور جديد، و دسترة توصيات هيأة الانصاف والمصالحة، كما أن التجاذبات التي يعرفها حزب البام اليوم، الذي جعل من تقرير هيأة الانصاف والمصالحة مرجعية له، تعيد طرح الأسئلة حول علاقة مؤسسه فؤاد عالي الهمة بعناصر من اليسار التي أثمرت تجربة المصالحة، ما يعني أن فهم ما جرى خلال أزيد من عقد من حكم الملك محمد السادس، لن تكتمل صورته دون النبش في أغوار حدث طي صفحة الماضي بالمغرب، وهو الحدث الذي أدى إلى تحولات سياسية هامة كان لها ما لها من بعد…
الشاعر الوديع يروي تجربة البحث عن الحقيقة كما عاشها وساهم في تفاصيلها.

خلال التحضير للجنة ضحايا الانتهاكات، هل التقيت ببنزكري للمرة الأولى بعد خروجكما من المعتقل؟
سأعود إلى الحديث عن علاقتي ببنزكري في سياق آخر. هو صديق عزيز منذ فترة السجن.
ادريس بنزكري بعد اشتغاله مديرا لمقر المنظمة المغربية لحقوق الإنسان، وبعد أن أصبح عضوا نشيطا رئيسيا بالمكتب الوطني للمنظمة، قرر الالتحاق بجامعة “إسيكس” ببريطانيا لاستكمال دراسته القانونية في موضوع العدالة الانتقالية.
لم أكن أقدر ساعتها، وأنا أهمُّ برئاسة تجمع 29 أكتوبر 1999، أهمية الموضوع الذي تطلب من إدريس اتخاذ قرار المغادرة لمدة سنتين، وهو الشيء الذي سرعان ما تبدّى لي حين أعطيته الكلمة وطلبنا منه أن يعرض الإطار العام وفسلفة وأهداف العدالة الانتقالية. وبقدر ما كان إدريس يتقدم في عرض المقاربة التي ستصبح في يوم من الأيام مقاربة بلد بأكمله، كانت تكبر في داخلي القناعة بأن الأفكار الجديدة التي يتوجب النضال من أجلها هي هذه بالضبط، لأنها تتبنى موضوع الضحايا لكنها تخرج به من النظرة الفئوية إلى فضاء النضال الديمقراطي الرحب. لقد صدقت نبوءة مصدق خلال أسابيع فقط…ولم أعد راغبا في الرحيل. تحدث إدريس بدقة متناهية ووضوح، وتشكلت لديَّ القناعة بأن مشروعا من هذا القبيل هو الذي يمكن العمل وفق إطاره ويحتاج مني الدعم…ولِمَ لا ودورة جديدة من الكفاح…غير أنني، كما مر بنا، مربوط أخلاقيا بالتزام التخلي بعد هذا التجمع بالضبط. عند نهاية الاجتماع، أخذت الكلمة وتوجهت إلى القاعة لأقدم استقالة اللجنة وأضع الأمر بين يديها قصد تشكيل لجنة أخرى للاضطلاع بالمهام المقبلة. عندها قام عبد الله زعزاع من بين الحضور مقترحا أن تعاد الثقة في اللجنة على أن يضاف إليها كل من إدريس بنزكري وعبد الرحمن بنعمرو. قَبِل الأول واعتذر الثاني، وابتدأت من هناك رحلة منتدى الحقيقة والإنصاف…لم يدرك زعزاع ساعتها أيَّ زهرة رماني بها، على كل حال، هو معروف بسخاء اليد وسخاء القلب…
وافق الحضور على اقتراح زعزاع، وبدأنا عملنا من أجل وضع الأرضية التوجيهية والقانون الأساسي والنظام الداخلي للإطار الجديد، وأذكر أن لقاءات كانت تعقد في مقهى بالبيضاء مع بنزكري والآخرين إذ لم يكن لنا مقر، ثم بدأت منازلنا تحتضن هذه اللقاءات تباعا، وبعد تأسيس المنتدى سيصبح المقر يحمل عنوان خديجة الرويسي.
أتذكر اللحظات الصعبة المتمثلة في محاولات التوفيق والجمع على أساس أرضية موحدة بين توجهات العائلة اليسارية بتلاوينها المختلفة والإسلاميين وضحايا تزمامارت، والنقابيين، وعائلات المختفين…خلال المؤتمر التأسيسي وفي لحظات عصيبة منه، كانت تهجمات بعض الأطراف سببا في رغبة بنزكري في الانسحاب أكثر من مرة من اللجنة التحضيرية والمؤتمر، قبل أن نقنعه بالعودة، مثلما وقع حين أرجعه مصدق ليلا من محطة القطار المتوجه إلى الرباط.

ما طبيعة الانتقادات التي كانت وراء رغبة بنزكري في الانسحاب؟
كانت اتهامات البعض لنا بالخيانة(؟؟)، وبأننا نسعى إلى خدمة مصالحنا الضيقة تثير غضب بنزكري.في النهاية وبعد مناقشات طويلة وشد وجذب وخلافات وتشنجات، صوتت القاعة في المؤتمر التأسيسي للمنتدى يوم الأحد 28 نونبر 1999 لفائدة الأرضية ومشروع النظام الأساسي واقتنع الجميع بأهمية العمل من داخل الإطار الجديد. التحق آخرون وساهموا بحماس في المؤتمر مثل سيون أسيدون ومصطفى مفتاح، كان موقف خديجة الرويسي محددا وهي التي كانت تتحدث باسم لجنة عائلات المختطفين وكان من الصعب إقناعها وهي لم تتبين بعد ما يمكن أن يكون “وراء” هذا المشروع، وأذكر مداخلتها التي حسمت موقف عائلات المختفين. أعطيتها الكلمة وأنا لا أدري ما سوف تقوله وانتظرت. وقفتْ وتحدثتْ بوضوح وسط صمت وترقب، وأعلنت دعمها للمشروع بعد مداخلة قصيرة مركزة، وكان موقفها نقطة تحول محددة خلال تلك اللحظات العصيبة التي عرفت ميلاد المنتدى المغربي للحقيقة والإنصاف.

ما هي الصورة التي مازلت تحملها عن مناضل اسمه إدريس بنزكري؟
إدريس مناضل من قادة إلى الأمام، لم نكن إذن في نفس المنظمة. قبل أن نقتسم الزنزانة في السجن المدني ثم المركزي، سمعت عنه في درب مولاي الشريف، وقع ذلك، حين ارتكب إدريس إحدى “الكبائر” وتجرأ على الوقوف ونزع العصابة لمواجهة أحد الحراس الشرسين حين اعتدى هذا الأخير على أحد المختطفين فوق ما يحتمل. وكان نصيب إدريس تعذيبا أدى إلى نقله إلى المستشفى على عجل. كان وضعه الصحي هشا، إلى درجة أن وجبات التعذيب كانت تؤدي في كل مرة إلى نقله إلى المستشفى في حالة مزرية للغاية. كاد أن يقتله ذلك الجبان كما قُتل آخرون من قبله وعلى رأسهم المرحوم عبد اللطيف زروال. تعمقت معرفتي بإدريس خلال فترة السجن، إذ وقفت على دماثة خلقه وصبره وصمته الأسطوري وحسن معشره…فضلا عن إيثاره وقناعته بالقليل.

التقاه : رشيد باحة
في الحلقة الرابعة يعود الوديع إلى جذور المنتدى المغربي للحقيقة والإنصاف والانتقادات التي وجهت إلى مؤسسيه

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق