مقالات الرأي

عباس الطرابيلي: لماذا يعتذرون ؟!

طال انتظار الناس للتعديل الوزارى.. ربما لم يحدث هذا من قبل فى مصر.. إذ يجب أن يتم الاتفاق على أسماء الخارجين من الوزارة.. بل وأسماء الداخلين.. حتى قبل أن يعلن عن نية هذا التعديل.. فلماذا يحدث هذا؟

البعض يتعلل بشرط عرض الأمر على مجلس النواب، قبل الإعلان عن الأسماء.. باعتبار ذلك يحدث للمرة الأولى فى بلادنا.. ولكنه مأخوذ عن النظام الحكومى فى أمريكا، إذ يشترط أن يوافق الكونجرس على الوزراء قبل تسلمهم مناصبهم.. ولكن يبقى السؤال: لماذا يتعثر الإعلان عن التعديل الوزارى فى مصر؟.. وهل يؤدى ذلك إلى تغيير الحكومة كلها.. بالمرة؟.. ولكننا هنا سنواجه مشكلة تغيير كل الحكومة، بينما نعجز عن تغيير جزئى.. فى عدد محدود من الوزراء.. إذ ربما نواجه بمشكلة أخرى أشد قسوة فيمن يقبل أن يصبح رئيساً لحكومة مصر، فى هذه الظروف القاسية.

يقول بعض العالمين إن المشكلة تكمن فى اعتذارات معظم الذين عرض عليهم المنصب الوزارى. وهنا يجىء السؤال الأهم: حقاً.. لماذا يعتذرون؟! البعض يتحدث عن قصر المدة التى يقضيها الوزير فى كرسى الوزارة، وهى – فى الغالب – لا تصل إلى سنة كاملة.. وهنا يرى بعض المرشحين أن منصبهم – قبل الوزارة – منصب دائم ومستمر لسنوات عديدة، والمثل الشعبى يقول: عصفور فى اليد.. ولا عشرة على الشجر!! ولكننى أرى أن بعض هؤلاء يشغلون مناصب عظيمة.. وأرى – مثلاً – أن منصب رئيس جامعة القاهرة أهم وأفضل حتى من منصب الوزير.. لأن الجامعة لها بريقها.. وهى إمبراطورية قائمة بذاتها.. فضلاً عن أن نجاحه فيها شىء ملموس، وبعيد عن عيون الحاقدين.

والبعض يرى سبباً آخر هو الخوف من السجن أو الملاحقة القضائية والذى يكبل يدى الوزير.. ولهذا ازدادت أخيراً ظاهرة الأيدى المرتعشة.. وأمامنا تجارب مريرة من وزراء دخلوا السجن.. حتى وهم فى الوزارة.. ومنهم من طورد جنائياً وتعرض لاتهامات عديدة، أغلبها لم يثبت.. ولكن طول مدة المحاكمات ودور الإعلام السلبى هنا – فى تجريس الوزراء – من أهم الأسباب.. ومن تلك الأمثلة رئيس الوزراء الأسبق نفسه أحمد نظيف، واللواء حبيب العادلى، والدكتور يوسف بطرس غالى، ومحمد رشيد، والمهندس سامح فهمى.. ومنهم أيضاً الدكتور هلال، وزير الزراعة، الذى تم القبض عليه بمجرد أن غادر موقعه.. فلماذا فعلاً يقبل الإنسان أن يهان كل هذا الهوان ويتم تجريسه، بل وتمتد عملية التجريس إلى كل أفراد أسرته؟!.

ومفرمة الإعلام – والتليفزيون بالذات مع انتشار ظاهرة البرامج الحوارية – كافية لكى يعتذر المصرى ألف مرة عن عدم قبول المنصب.. إذ لم يعد أحد فوق مستوى النقد.. بل وكيف يتم استدعاؤه فى أى وقت بالليل أو النهار ليجرى سؤاله.. ولا فى المحكمة.. وبأسلوب مهين.. والذين يتحدثون عن تجريس المخالفين زمان أهون من التجريس الذى يتم الآن على الهواء، لكل المسؤولين.. والوزراء فى مقدمتهم.

والخوف من الرأى العام.. إذ كان للوزير احترامه الكبير حتى فى عهد ما قبل ثورة يناير.. وليس فقط فيما قبل ثورة 23 يوليو 1952، ولا طوال العصر الناصرى.. بل يمكن أن يسمع الوزير مواطناً بسيطاً يسب الوزير سباباً لاذعاً.. دون أن يحاسب على سبه للوزير.. فلماذا إذن يقبل الشخص كل هذه الإهانات؟.. أمن أجل منصب لم يعد براقاً ولم يعد ذا جاه أو مال.. أو نفوذ، وهنا نسترجع ما حدث لوزير التموين السابق، الذى رغم نجاحه فى تنظيم توزيع الخبز بعد إنتاجه، إلا أنه ولأسباب أخرى، منها ما حدث فى صوامع القمح، تمت التضحية به.. وتم إبعاده عن الوزارة.

** ثم وجود أجهزة رقابية عديدة تراقب عمل أى مسؤول.. وربما يكفى تقرير واحد – قد يكون غير محايد – فى إقصائه عن المنصب.. وهنا لم يعد رئيس الوزراء هو المسؤول الكبير المباشر الذى يحاسب الوزير، إذ نجد أن رئيس الجمهورية الآن يستدعى من يشاء من الوزراء ويناقشه فيما تم من أعمال.. وربما يتعرض للمساءلة والمحاسبة إذا وجد الرئيس تقصيراً فى عمل الوزير.. نقول ذلك رغم أن البرلمان الذى يفترض فيه أن يراقب أعمال الحكومة كلها، ويملك حق استجواب أى وزير، بل وسحب الثقة منه، لم يعد يزاول دوره الرقابى كما ينبغى.. وترك هذه المهمة للأجهزة الرقابية، التى ترفع تقاريرها إلى رئيس الجمهورية مباشرة.

** ولا ننسى هنا الرقابة الشعبية.. وزمان كانت تصدر التعليمات لكل الصحف وإلى التليفزيون بعدم مهاجمة أو انتقاد الوزير فيستجيب الكل.. الآن أصبح من حق أى صحيفة وأى قناة أن تهاجم، وبعنف، أى وزير.. ومباشرة.. وفى نفس اللحظة.. فلا ينام الوزير!!

** والمؤكد أن عمق المشاكل الحالية يجعل الوزير يعمل فى جو شديد التوتر وفى كل القطاعات.. والشاطر منكم من يحصى عدد الذين تولوا منصب وزير التربية والتعليم – مثلاً – أو وزارة الصحة فى السنوات الخمس الأخيرة.

لكل هذه الأسباب، وغيرها، يعتذر أى شخص عن عدم قبول المنصب الوزارى.. فلم تعد لهذا المنصب أى إغراءات كما كانت فى الماضى، وبالتالى يفضل أكثرهم العمل والحياة فى الظل.. فهذا أفضل لهم ولكل أسرهم.. مش كده ولّا إيه؟!

نقلا عن المصري اليوم

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق