ملف الصباح

الفتور العاطفي…أقصر الطرق إلى الطلاق

بلحاج: على الأزواج احتواء عوامل الفتور بالتواصل والانفصال المرحلي

يقال إن حديث « أبغض الحلال عند الله الطلاق” حديث ضعيف سنده، وضعيف أيضا متنه كما صنفه مشايخ السنة وعلماؤها… لكن مضمونه يجسد ما حذرت منه خلاصات دراسة بريطانية حديثة. الخلاصة بسيطة تقول “إن 21.1 في المائة من النساء لجأن إلى طلب الطلاق من أزواجهن”، لأن هؤلاء، توضح الدراسة، “لم يعودوا يولون اهتماما كبيرا لزوجاتهم كما كان عليه الأمر في سابق علاقتهما”…وقلة الاهتمام هي فقط أح العوامل، فللبيوت خباياها وأسرارها وللمجتمعات محرماتها وطابوهاتها المسكوت عنها…  
الأمر ليس مؤكدا، لكن ما يتداوله أخصائيو الجهاز التناسلي يقوم على معادلة (شبه رياضية) بسيطة مفادها أن “من قل تستوسترونه، قل انتصابه، ومن قل انتصابه قل جماعه، ومن قل جماعه تسرب الفتور الجنسي إلى سريره، ومن تسرب الفتور الجنسي إلى سريره فقد متعة الممارسة الجنسية، وحيث تفقد متعة الجنس ينفتح باب الفتور العاطفي على مصراعيه، تهب منه ريح التنافر وتبدأ مشاعر المودة والمحبة والرغبة بين الزوجين في التلاشي…شيئا فشيئا، إلى أن تصل رابطة الزواج إلى نقطة اللاعودة وتنفصم عراها.   
وهذه حكاية امرأة هي اليوم في الثامنة والثلاثين من عمرها. قصة المرأة، التي رفضت الكشف عن اسمها أو حتى لقاء “الصباح”؛ استعضنا عن لقائها بأن ترويها لنا عبر الهاتف. صوتها الرقيق والهادئ، القادم من مكان ما من دروب الحي المتوسط والشعبي “حي الفتح” بالعاصمة الرباط، ينقل تفاصيل زواج قُرئت فاتحة عقده قبل حوالي عشر سنوات.
الزواج كان من رجل موسر ذي مال وعقار وتجارة رائجة. والعريس كان رجلا كهلا في “التاسعة والخمسين من عمره” تؤكد محدثتنا عبر الهاتف، ثم تضيف “لقد سبق له الزواج من امرأة أخرى، وافتها المنية”، وعوض أن يظل وحيدا بعد أن تزوجت بنتاه الوحيدتان، قرر أن يبحث عن شريكة عمر جديدة، تواصل معه مشوار ما تبقى من سنوات العمر التي دخلت مرحلة العد العكسي (وعلم ذلك عند الله).
وشريكة العمر هذه لم تكن امرأة أخرى غير صاحبة الصوت الناعم الآتي عبر خيوط الهاتف. “لم يسبق لي أن التقيته في أي مناسبة أو مكان أو تعارفنا أو كان لنا أصدقاء مشتركون”، تقول محدثتنا وهي تستعيد شريط ذكريات زيجة تقول هي إن ما دفعها إلى القبول بها، اختلت موازين العمر فيها، هو الفقر المدقع الذي ولدت في كنفه، وكان سيأتي على ما تبقى من سنوات زهرة عمرها.. لولا أن صاحب محلات الأقمشة والملابس بـ “قيسارية المنال” طرق في يوم من أيام سنة 2000، يوم كان عمرها سبعة وعشرون ربيعا، باب أسرتها.
سمعة الرجل كانت تسبق أصداء ثروته التي ملأت أخبارها آفاق حي الفتح. والدا الفتاة آنذاك لم يترددا كثيرا قبل أن يعطيا الضوء الأخضر لزواج سيربطهما بواحد من أثرياء الرباط. وكذلك كان…بعد عشرين يوما من الخطبة عقد الكهل قرانه على الشابة. ودخلت الشابة صاحبة الصوت الهادئ غمار تجربة كانت تبدو في ظاهرها واعدة بمستقبل “تطبعه المودة والاستقرار”، “ويملأه الحب وأشياء أخرى…”، تتوقف الشابة الطليقة في ما يشبه استراحة لالتقاط أنفاسها، لكنه توقف من يستحي عن ذكر أشياء…هي في حكم البديهيات.
“مرت الشهور الأولى لزواجنا كما في انسجام وود تامين، لكن التحول بدأ يوم اكتشفت تعاطيه لحبوب “الفياغرا” (التي يقال إنها ترفع صبيب إفرازات هرمون التستوسترون لدى ضعاف القدرات الجنسية من الرجال، أثناء الخلوات الحميمية)، كما كان يقبل على تناول الوصفات الشعبية بنهم منقطع النظير”، تسترجع الطليقة، ثم تردف “ولما لا تكون هناك حبوب أو وصفات شعبية، فإن حاله يْشْفّي العديان”.
حالة الزوج مدمن العقاقير والوصفات التقليدية مدرة التستوسترون صارت تتفاقم يوما عن يوم. “فلما بلغ السابعة والستين، كانت (بطاريته) قد بدأ ينخرها الضعف “الباتري ديالو بدا كيعيا” (هكذا قالتها).
“لقد صرنا نعيش في البيت كغرباء. لا تجمع بيننا سوى مائدة الوجبات الغذائية، والمناسبات التي يحضر فيها أفراد عائلتينا”، وسرير الزوجية؟ “نعم كنا ننام فوق سرير واحد، لكن كغرباء، فهو صار عاجزا تماما عن ممارسة الحب. حتى الحبوب والوصفات التي كان يتناول لم تعد تعطي أكلا”.
استمرت معاناتها إلى مطلع هذا العام 2011. “لم أنجب أبناء، حتى أضحي من أجلهم. هذا الوضع أشعرني بنوع من الحرية، فلم أتردد في التوجه إلى محكمة قضاء الأسرة لطلب الطلاق. لم أعد أطيق ذلك الحال”، يقول الصوت الهادئ إياه، الذي صارت صاحبته اليوم تتعاطى بيع الهوى لتدبر لقمة عيشها، بعد أن أبت على نفسها الاستمرار في زواج “بالسمية”.
وكما ابتدأت الحكاية بسيطة…انتهت بسيطة.. لكن هل فعلا يمكن أن يؤدي الفتور العاطفي بين الزوجين إلى حدوث الطلاق؟ “الصباح” نقلت هذا السؤال إلى واحد من أهل العلم والدراية بشؤون النفس الإنسانية، الدكتور عبد الكريم بلحاج، أستاذ علم النفس الاجتماعي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الخامس-أكدال بالرباط، وصاحب عدة مؤلفات في مجال تخصصه من جملتها “التفسير الاجتماعي لسببية السلوك- مدخل علم النفس الاجتماعي لدراسة العقل اليومي”. بلحاج أجاب بنبرة جازمة أنه “ليس بالضرورة أن يؤدي الفتور إلى الطلاق”، موضحا أن هناك زيجات تقوم على “علاقة عاطفية ووجدانية متينة، لا يمكن أن تنهار إذا اعترضها أزمات عابرة”.
واعتبر أستاذ علم النفس أن الفتور العاطفي “وارد بين الأزواج وأمر طبيعي، فهناك روتين الحياة ورتابتها، فضلا عن ضغوط متطلباتها”، وهي عوامل يرى بلحاج أن على الأزواج “السعي إلى احتوائها، نظرا لقدرتها على تهديد العلاقة الزوجية “. وكيف يتجنبوها يا دكتور؟ “أولا ضرورة التواصل بين الزوجين، لتجديد أواصر زواجهما وضخ دماء جديدة فيه”، بلحاج يحث أيضا على تغيير مناخ وروتين البيت باللجوء إلى ما أسماه “الانفصال المرحلي”، ويقصد بذلك أن يقضي، مثلا، كل من الزوجين عطلة “لأيام أو أسبوع أو حتى شهر إن تطلب  الأمر ذلك” بعيدا عن الطرف الآخر، ومن شأن هذا، يقول الدكتور، أن ينشط علاقة الزوجين ويبعث فيها دينامية جديدة.

محمد أرحمني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق