ملف الصباح

الحمداوي: الزواج أصبح رغبة فردية

أستاذ علم الاجتماع يؤكد أن الفتور العاطفي والخيانة بين الشريكين يجدان جذورهما داخل تمثل الزوجين للزواج

يرى الباحث ابراهيم الحمداوي أن البناء الاجتماعي للأسرة يشير إلى الطريقة التي تنتظم بها الوحدات الاجتماعية والعلاقات المتبادلة بين الأجزاء، مضيفا أن الأسرة تعني نمطا معينا من التنظيم يؤدي إلى نتائج متكررة ومحددة، لأن هناك ارتباطا وثيقا بين كل وحدة داخلها. وإذا ما قمنا بدراسة تحليلية للعلاقات الزوجية، نلاحظ أن الطريقة التي يلتقي بها الأزواج والطريقة التي يختلفان فيها والتي تؤدي بهما إلى الانفصال، تختلف من أسرة إلى أخرى ومن وسط إلى آخر وذلك حسب الانتماء السوسيوثقافي والاجتماعي لهذه الأسرة أو تلك، ويشير الحمداوي في هذا الصدد إلى مجموعة من العوامل التي يمكن أن تتدخل مجتمعة وتكون سببا سواء للخيانة أو للانفصال، ذلك أن انتشار أفكار المساواة والتحرر أو التمرد على القيم القديمة السائدة والعلاقة بين الأهل، يصطدم بعدم قبول  تدخل العائلة في مؤسسة الزواج،  وهو ما يمكن أن تكون له نتائج عكسية، خاصة أن الزواج أصبح رغبة فردية أكثر منها أسرية، ما جعل ظاهرة الاختيار والانفصال بين الشريكين تكون ملموسة لأن استمرار البنى الاجتماعية العتيقة داخل مؤسسة الأسرة يتناقض مع التحول الذي لازم نظرة الفرد إليها اليوم.
ويرى الحمداوي أن هذه التحولات ترجمت ببداية التحول من العائلة إلى الفرد كوحدة للتفاعل الاجتماعي ومن تم الانتقال من قيم الجماعة إلى قيم الفرد.
وفي هذا الصدد لا يتردد الباحث في إرجاع أسباب الانفصال إلى التحولات السيوسيوثقافية التي لازمت الأسرة انطلاقا من تغير سلطة الرجل والمرأة داخلها، كما أن التفاوتات السوسيو ثقافية بين الجنسين  انطلاقا من تغير الأدوار بينهما فضلا عن عدم الوضوح منذ البداية حول سبب الزواج وأهدافه، تعد عوامل أساسية لفهم أسباب الانفصال بين الأزواج.
يتطلب الزواج، حسب الحمداوي، وجود شخصين يتقاسمان الأهداف نفسها واستعدادا نفسيا منهما من أجل بلوغها. إضافة إلى إغناء المهام وتوزيع الأدوار واحترامها والتواصل الايجابي بين الطرفين..
وفي غياب هذه الشروط يمكن للزوجين أن ينفصلا لأي سبب، خيانة أو سوء تقدير أو فتور في العلاقة  العاطفية.
أما في ما يتعلق بالدراسات المنجزة حول أسباب الانفصال، فيعتقد الباحث أن من الصعب تعميم نتائجها على كل المجتمعات، بل وحتى على جميع الأسر في المجتمع الواحد، نظرا لاختلاف الأسس والمرجعيات الثقافية المؤطرة للعلاقة بين الرجل والمرأة، فنظرة واختيار الزوج أو الزوجة تتباين بين وسط اجتماعي وآخر، بل حتى النظرة والتمثل بشأن الحياة الأسرية تختلف بين الأوساط الاجتماعية، وهنا يطرح الباحث تساؤلا عريضا، كيف تنظر المرأة إلى الرجل وكيف يتمثل الرجل المرأة؟  بناء على هذه الانتظارات يمكن الجزم بدرجة استقرار الزواج من عدمه، وفهم الأسباب المعجلة بموته، أو من خلال بحث الشريك عن إشباع حاجياته في مكان آخر ومع شريك آخر.
الزواج أو الطلاق قد يكون بسبب تدخل الأهل والأقارب في العلاقة بين الزوجين، وهو النسبة الطاغية رغم تراجع تدخل الأسر والعوامل النفعية والاقتصادية في بناء مؤسسة الزواج، لصالح العوامل السيكولوجية والعاطفية.
الفتور العاطفي قد يجد طريقا سهلا له لدى الزوجين معا، وتحدد دراسات أسبابها في اختلاف الزوجين من ناحية الطباع والميولات وانشغال أحد الطرفين عن الآخر، ما يولد فراغا عاطفيا لدى الطرف الآخر، كما أن  الزواج المبني على الإلزام لكلا الزوجين، أو أحدهما، يعني الإكراه وتكون نتائجه الانفصال، إضافة إلى  المشاكل الاجتماعية التي تكدر صفو الحياة الزوجية، وتعكر مزاج الزوجين وهي كثيرة، منها ما يكون أدبياً سلوكيا، ومنها ما يكون ماديا ومنها ما يكون شكليا فقط.
الحياة الروتينية، بدورها تقتل العلاقة العاطفية بين الزوجين، فتصبح نوستالجيا لزمن جميل يمتد إلى فترة ما قبل الزواج، والروتين قد يشمل برنامج الزواج أو مكانه أو مظاهر الطرفين أو مشاعرهما..
ويبقى أن الفتور في الحياة الزوجية يعود إلى عدم وجود نضج اجتماعي كافِ عند أحد الأطراف، أو الطرفين لفهم واجبات الحياة الزوجية ومتطلباتها، وعدم وجود مصارحة كافية بين الطرفين، كما أن وجود معوقات لم تكن ظاهرة قبل الزواج واكتشافها بعد ذلك، مثل تدهور أو انخفاض الوضع الاقتصادي، أو وجود زوجة أخرى أو ظهور عادات وممارسة اجتماعية غير مرغوب فيها من الطرفين، كما تساهم الأنانية من قبل أحد الأطراف، وعدم وضوح حقوق وواجبات كل من الطرفين تجاه الآخر، في جمود العلاقة الزوجية واندثارها التدريجي.

رأي المختصين في الفراغ العاطفي
يرى باحثون في علم النفس الأسري أن الحاجيات النفسية اللازمة للنمو الإنساني السليم تتعدد ضمن إطار الحاجة إلى الانتماء، فالزوجة في حاجة إلى أن تشعر بأنها تنتمي إلى زوج وأسرة، وليست وحيدة، حتى تشعر بالأمن، والطمأنينة والاستقرار النفسي، ولكن الانتماء لوحده لا يكفي، بل هناك حاجة أخرى وثيقة بالانتماء وهي التقبل أو القبول، فالمشاعر العاطفية بين الأزواج، مؤشر من مؤشرات التقبل، والحرمان من هذه المشاعر وتبادلها مؤشر من مؤشرات الرفض.
إن البرود العاطفي بين الزوجين يعد أحد أهم المشكلات التي تؤدي إلى تفكك الأسرة، فمجرد أن تنتهي الأشهر الأولى من الزواج والتي تشمل الأيام الحالمة، ويدخل كل من الزوجين في معترك الحياة العملية، حتى يشعران بالكآبة والملل، وثقل تكاليف الحياة وبرود العلاقة بينهما يستهلك عواطفهما معا.

رشيد باحة

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق