fbpx
ملف عـــــــدالة

قضاة التحقيق بين الضمير المهني وتأثير الجمهور

القاضي العادل يتخذ قراراته على أساس التقدير الجيد للوقائع

لقاضي التحقيق الدور الكبير في تحقيق العدالة، ولقراراته الأثر الكبير في إنصاف المظلومين ومعاقبة الآثمين، لكن يبقى لضميره المهني وأخلاقه ومبادئه الدور الأكبر في حسن أداء هذه الرسالة الكبرى. وإذا افتقد القاضي هذه الخصال والشيم، فلا يمكن الاطمئنان أبدا على ضمانه حقوق من ائتمن عليهم، ولا إدانة من ثبت تورطهم. والحال أن ما يجوز على قاضي التحقيق يجوز على قضاة النيابات العامة والرئاسة، وإن بشيء من التفاوت والتباين. ومع ذلك، لا يمكن المجادلة في الرغبة الصادقة لبعض قضاة التحقيق، وإيمانهم العميق، بأهمية الرسالة النبيلة الملقاة على عاتقهم، واقتناعهم بواجب المساهمة في إصلاح القضاء انطلاقا من مواقعهم.
هناك قضاة، وإن كان مبرر التراكم غير كاف، يتخذون محاضر الشرطة القضائية ذريعة لإدانة المتهمين، ويحيلونهم على النيابات العامة بمقررات إحالة تعتبر استنساخا حرفيا لما جاء في محاضر البوليس، لتكون الإدانة، لدى قضاة الحكم، جاهزة بدورها. فالعدالة لا يمكن أن تتحقق دون توفر الشجاعة الأدبية بالجرأة على حسم الموقف واتخاذ القرار المناسب المستمد من القانون والعدل، أي الثقة في النفس، والإيمان بالحق والإحساس بجسامة المسؤولية.
فالقاضي العادل هو الذي يمارس مهامه على أساس تقديره الجيد للوقائع، وتفهمه الواعي للقانون، حسب ما يمليه عليه ضميره، دون تأثير خارجي أو تحريض أو ضغط أو تهديد أو تدخل مباشر أو غير مباشر من أي طرف كان. يتوجب على قاضي التحقيق أن يبذل الجهد والبحث والتقصي بغية الوصول إلى الحقيقة، بصرف النظر عما ينشر أو يذاع أو يشاع، وأن يحكم ضميره وقناعته وفقا للقانون، دون تأثر برأي الجمهور، ولا خوف عليه بعد ذلك إن أثار غضب وسخط أي جهة.
في أحيان أخرى، غالبا ما يكون هذا القاضي محط اتهام، أو على الأقل تشكيك في مصداقيته ونزاهته، خصوصا عندما يتخذ قرارات تكون صادمة للبعض، ومثيرة لتحفظات البعض الآخر، فأن يمتع قاضي تحقيق متهما في جريمة قتل أو قضية اغتصاب أو اختلاس، بالسراح المؤقت، أو عدم المتابعة، فذلك ما لا يمكن السكوت عنه من قبل الطرف المدني، وقد تنتقل العدوى إلى وسائل الإعلام، فتنكل بهذا القاضي وتشهر بسمعته، حتى ولو كانت كتاباتها تكتسي صبغة الإشارة والتلميح.
والواقع أن الجميع، قبل أن يطلق شكوكه ذات اليمين وذات اليسار، كان عليه أن يستمع إلى الصوت المغيب، ويطلع على الحقائق، قبل إصدار أحكامه الجاهزة على هذا القاضي أو ذاك، فالقاعدة القانونية تقول، كما لا يخفى على أحد، أن لا عدالة بدون الاستماع إلى جميع الأطراف.

محمد  البودالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى